المتوكل طه يكتب: بعد سنتين من إعلان ترامب.. لماذا نقل سفارة بلاده إلى القدس؟

د. المتوكل طه

 

في اليوم السادس من شهر كانون أول من العام 1917، كان القائد البريطاني اللّنبي يقتحم بقواته العسكرية مدينة القدس، ويفرض سلطته الاحتلالية عليها، ويخضعها بالقوة للتاج البريطاني، أصحاب الأيادي السوداء التي أعطت ما لا تملك لمَن لا يستحقّ وَعْدَاً، هو وعد بلفور المشؤوم لليهود، في الثاني من شهر تشرين الثاني من العام نفسه، وكأنّ اللّنبي قد جاء ليترجم الوعد إلى حقيقة، على أرض ليست له أو لغيره، كما أعلن اللّنبي يومها بأن الحروب الصليبية قد انتهت ! بمعنى أنهم  عادوا ليجعلوا فلسطين مملكة لاتينية، مرة آخرى .. وإلى الأبد!

وبعد مئة سنة بالتمام والكمال، وقبل سنتين كاملتين، أي في يوم السادس من كانون الأول من العام 2017 أعلن رئيس الإدارة الأمريكية دونالد ترامب نقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس ! وكأنّه تعمّد هذا اليوم، على وجه الخصوص، ليعمّق خطوة اللّنبي ويؤكدها كعاصمة لدولة الاحتلال، امتداداً لتلك السياسة الاستعمارية البريطانية، التي احتضنت الحركة الصهيونية وعصاباتها.. ومكّنتها من إقامة “دولة” في العام 1948، هي دولة الاحتلال، التي يربطها مع الولايات الأمريكية تعاقد مسعور، يستهدف فلسطين، أرضا وشعباً وقضية.

وثمة سؤال حارق يتقدم نحونا وهو : لماذا قام ترامب بخطوته هذه؟

وللإجابة عن هذا السؤال، أجاب غيرُ باحث، حيث قالوا : ثمة حركة في أمريكا اسمها “الصهيونية المسيحية” أو الكنيسة التدبيرية أو الإنجيلية، التي تؤمن وتعتقد بضرورة تسريع العودة الثانية للمسيح – عليه السلام – .. ولأن للعودة شروطاً أهمها وجود صهيون (دولة اسرائيل) ووجود الهيكل – لأن المسيح لن يعلن عن نفسه إلاّ من الهيكل، مثلما فعل في المرّة الأولى – فإن هذه الحركة الصهيونية المسيحية تعمل جاهدة لتوفير شروط عودة المسيح.. وهذا ما يفسّر دعم هذه الحركة لدولة الاحتلال ومساندتها في أسرلة وتهويد القدس، على طريق إقامة الهيكل !

ويقول الباحثون إن عدد هؤلاء التدبيريين التابعين لتلك الحركة يتجاوز السبعين مليون شخص، كان منهم رؤساء لأمريكا من ريغان، مروراً بجورح بوش الإبن وصولا إلى الرئيس ترامب ونائبه في البيت الأبيض .

ويؤمن هؤلاء كليّاً بنبوءات الأسفار، وخاصة ما جاء في سفر حزقيئيل، وبالذات النبوءة التي تقول بأن هذا المشروع (عودة المسيح) سيصطدم بمعارضة.. وأن هذه المعارضة ستؤدي إلى نشوب حرب ما بين المعارضين الأغيار (نحن العرب) وبينهم.. وستكون هذه المعركة شرسة ودموية، سيقضي فيها الملايين وتجري فيها أنهار الدم، في منطقة شمال فلسطين  تدعى سهل مجدّو، لهذا يسمّون هذه الحرب العتيدة بـ “هار مجيدو” عندها سيظهر المسيح على غيمة تعلو أرض المعركة، وسيشهد الاقتتال ويبارك أتباعه وسيهبط، ويذهب مع المنتصرين إلى الهيكل.. وسيعلن عن نفسه من هناك، وسيحكم لمدة ألف سنة، وهو ما يسمى بـ “الألفية” أو ألْمِلينيوم – للأسف هناك مَن يسمي بعض مؤسساته بهذا الاسم المشبوه.

ويعتقد هؤلاء أن الهيكل يقع أسفل المسجد الأقصى المبارك، لهذا فهم يدعمون دولة الاحتلال في كل ما تقوم به لتقويض المسجد وهدمه، حتى يُقام الهيكل مرة أخرى، ويكون مهيئاً لعودة واستقبال المسيح. علماً أن الاستعدادات لهذا الأمر متواصلة، وثمة إعداد لخَدَمَة الهيكل، وتمّ إنجاز النموذج الهندسي “المُجَسّم” للهيكل، وتوفير التمويل لإقامته على أنقاض الأقصى، لا قدّر الله. وهنا نسأل: أين العرب والمسلمين مما يجري؟ ولماذا لم تهتزّ لهم شَعرة، وهم يرون البقعة المباركة التي صلى فيها النبي محمد بالأنبياء – عليهم السلام – وأسرى الله به إليها، وعرج منها إلى السماء.. يرون كيف يتواصل انتهاكها وتلويثها واستباحتها وتدنيسها..؟ فهل يجوز لأحد منهم أن يدعي أنه عربي أو مسلم.. وهو راض أو ساكت مثل الشيطان الأخرس.. أمام ما تقوم به العصابات الحاخامية المتطرفة من عبث واقتحام وتبديل وتدنيس؟ كما أنني أذكّر العالَم المسيحي، أيضا، بما يقوم به الاحتلال ومستوطنوه من تخريب ودَهْم واستباحة  لقيامة عيسى عليه السلام ولمهده الشريف. وهنا أنقل الرسالة التي ردّ بها البابا بِيُوسْ العاشر على زعيم الصهيونية هيرتسل، عندما طلب من البابا دعمه لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين ! فماذا أجاب البابا!

في يوم الرابع والعشرين من كانون أول 1904 وصلت رسالة البابا إلى هرتسل، وهذا نصها الحرفي: “نحن لا نستطيع أبداً أن نتعاطف مع الحركة الصهيونية. إننا لا نقدر على منع اليهود من التوجّه إلى القدس، ولكننا لا يمكن أبدا أن نقرّه. وبصفتي قيّماً على الكنيسة، لا أستطيع أن أجيبك بشكل آخر. لم يعترف اليهود بسيّدنا “المسيح” ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي. وبالتالي إذا جئتم إلى فلسطين وأقمتهم هناك، فإننا سنكون مستعدّين، كنائس ورهباناً، لأن نعمّدكم جميعا (نجعلكم مسيحيين).

انتهت رسالة البابا الموقر .

فهل من مدّكر، أو مَن في وجهه دماء، ولديه شرف أو كرامة.. لعله ينحاز مع النساء المرابطات في ساحات الآقصى، دفاعاً عنه، جنباً إلى جنب المواطنين الذين يواجهون بصدورهم العارية جنود الاحتلال ومستوطنيه الذين يزداد توحّشهم اليميني المنفلت؟

إن الاكتفاء بتقديم مرافعة كلامية أو بتصدير بيانات الشجب والاستنكار، والتفرج دون التحرك الفعلي، إنما هو اشتراك مُبطّن ودعم مُضْمَر لما تقوم به تلك الحركات والعصابات والجنود القتلة. وإن التاريخ سيكتب بغضب وأسف عن هذا المشهد الكابي المُمضّ، الذي تترك فيه القدس عرضة للنهب والتبديل والتزوير والاستلاب.. ودون رجال !