المتوكل طه يكتب: بين النظام والسلطة

 

 

 

ثمّة شكلان للحُكم، في أي مكان وفي أيّ زمان، فإمّا أن يكون سلطةً مطلقة فاسدة وديكتاتورية ومتخلّفة،  أو يكون حُكماً راشداً ديمقراطياً  مكرّساً لخدمة الناس وإسعادهم . بصرف النظر عمّا يسمّي الحُكم نفسه ؛ بالمملكة أو الجمهورية أو الدولة أو السلطة أو السلطنة أو الإمارة أو غير ذلك، فقد تكون جمهورية ما  نظاماً، وتكون جمهورية أخرى سلطةً .. وهكذا .. بمعنى :

1ـ أن الغلبة وصاحب الحصانة في ” النظام” هو القانون وحده، أما في ظل “السلطة” فإن السيادة هي للحاكم الشخص الفرد  المُتحكّم الوحيد، لهذا فإن تجليات الحراك كله تكون محكومة في ظل النظام للقانون، أما في ظل السلطة فتكون محكومة بمزاج ومصالح الحاكم، الذي يتحوّل تدريجيا إلى ” مقدّس” ورمز، لا تطاله الظنون، ولا تبلغه الأخطاء، ولا يرقى إليه الشك، كأنه مُحصّن من السماء أو مكّون من غير ما يُكونّ البشر .

2- وفي ظل “النظام” تكون الخطابات الدينية والسياسية والإعلامية، خطابات نقدية مسؤولة جادة وعميقة، تشير إلى الأخطاء لإصلاحها، وتسلّط الأضواء على الاخفاقات لتجاوزها، ولا يوقفها  أو يمنعها مانع، بل تشكّل أداة تقوّم الأداء وتحرص على أن يبقى في طريقه الصحيح، أما في ظلّ “السلطة” فتكون الخطابات تبريرية تسحيجية  إنتقائية منافقة، تهلّل، صبح مساء، وتمدح وتنفّس .. وتسعى لأن تضع الحاكم موضع الإله أو الوليّ الذي لا يأتيه الباطل من فوقه أو من بين يديه .

3ـ أما المُنتج الثقافي والابداعي في ظلّ ” النظام ” فإنه منتج ناقد بامتياز، يسعى للبحث عن الفردوس، ولا يرضى حتى بالجنّة، إن توفّرت ! وهو خطاب منحاز للناس وللقضايا والمفاهيم العليا للشعب، دون مواربة أو تطامن أو استخذاء.. وهو منتج لا يقرّ ولا يفتر ولا يجامل ولا يلهث ولا يبرّر ولا يتلوّن .. إنه منتج حرّ غير مسقوف، بعيد عن الشللية والجهوية والشخصنة والمصالح، ولا يقبل بقيد أو سقوف . أما منتج ” السلطة ” فهو إكسسوار لتجميل وجه أصحاب السلطة، مدّاح منافق سطحي وكاذب، غافل ومأجور، وهو شيطان أخرس، يقلب الباطل حقاً، ويدور في فلك محدد له من قبل أصحاب الشأن، لهذا فإنه مُنتج خائب رخيص، هو أقرب إلى الصدى أو إلى أن يكون ترجيعاً لخطاب السلطة الباهت . وهو منتج مهزوم ينحاز إلى منطق العبيد ومفرداتهم المستهلكة والمبتذلة والمكرورة، ولا يتمتع بوهج ولا يمتلك مقترحاً جمالياً حرّاً، ولا يجرؤ على التجريب  واقتحام الهوامش والعتمات والتابوات، ولا يعبر عتبة الأسئلة اللامتناهية الواعية.

4ـ والإنسان في ظلّ ” النظام” هو آدمي، له قيمة وقامة، وقد تهيّأت له كلّ أسباب الحياة الكريمة، التي يضمنها القانون وتحملها التعليمات وتحرسها الأنظمة. أما الإنسان في ظل ” السلطة ” فهو شيء ! لا قيمة له ولا يمثّل شيئاً سوى أنه عدد أو جزء من قطيع، لا قداسة لحياته ولا أهمية لرغباته وتطلعاته وأحلامه، ولا يتوفّر له بالضرورة أسباب الحياة الكريمة، التي تحفظ له ماء وجهه، ويبيت معها على يقين بالغد أو بالطمأنينة على أهله وشعبه.

أي، في “النظام”  يتمّ توفير كل حاجيات المواطن الاجتماعية والاقتصادية والصحية، ضمن منظومة عادلة شاملة لا تُميّز، وتقدّم خدماتها باحتراف ومهنية وتواصل، وهذا يعزّز انتماء الفرد لمجتمعه ونظامه. أما في “السلطة ” فلا تتوفّر تلك المنظومة ولا تُغطّى احتياجات الناس، خاصة الطبقات المتوسطة والمُعدمة .. ما يجعلهم عرضة للابتزاز والتسوّل، ويدفعهم لأن يكونوا أقل انتماءً، وأكثر حقداً على كل شيء يحيط بهم .

5-  والمؤسسة في ظلّ ” النظام ” تكون مؤسسة راسخة عميقة متكاملة تعتمد القوانين والتراتبية والأهليّة، ولا تخضع للشخص أو للمزاج أو للواسطة أو  للمصلحة أو للجهوية أو العشائرية او للتأويل والترجيح والتنقيص أو غير ذلك، ولا تميّز بين هذا وذاك، ولا تخضع لهوى المسؤول أو لغمزاته وترجيحاته أو لتأثيراته المريبة !

والمؤسسة في عهد ” السلطة ” هي عكس كلّ ذلك تماماً، حتى أنها تصبح لعبة أميبيّة، لا شكل ولا وزن لها ،بيد الحاكم، فتتعطّل مصالح العامة، وتتمايز الناس ويتقدّم المتنفذ، ويخسر البسيط من البشر، ويستحوذ على المُقدّرات فيها أصحاب المواقع المتقدّمة، وتبدو كأنها مزرعة شخصية يتوزّعها نفرٌ قليل، يتربّع على رأسهم الحاكم  الذي سيؤثِر لنفسه كل نفيس، ثم يوزّع ما تبقّى لمن حوله من بطانة .. ستتحوّل تدريجياً إلى طبقة مُتحكّمة بالمقدرات جميعها.

6ـ أما الأحلام والأمنيات أو لنقل المحافظة على الحقوق الوطنية أو القومية أو الثروات الكبرى .. فإنها تكون في ظل ” النظام” مُصانة غير قابلة للتصرف، ولا يمكن لأحد مهما كانت الدعاوى والمبررات، أن يتنازل عن أيّ جزء منها، ومهما بلغ من قوة ونفاذ، لأنّ ثمة مؤسسة، محكومة بالقوانين السائدة المُحصنة، تمنعه من العبث أو التنازل أو التبديد أو التصرّف !!

وتكون الأحلام والتطلعات والحقوق والثوابت في ظل “السلطة” نهباً  للتجريف والتفريغ من محتواها، وعرضة للتشظّي والتراجع والتنازل عنها. بحجج واهية تسحبها نحو الحضيض، وتنزع عنها القداسة وتبذلها للعبث والاستخفاف والتذرير إلى حدّ تعريضها للضياع والتصفية الكاملة.

ذاك لأنّ المتحكم هو فردٌ مُحاط بزُمرة مستلبة خائفة على مصالحها الشخصية، ومن مصالحها إيجاد خطاب يبرّر للفردالحاكم عبثه ووهمة وتنازله .. وتصوير ذلك كضرورة  أو كممّر إكراهي أو خطوة إجبارية.. أو هذا ما توفر وأمكن !!

باختصار، فإن أي “سلطة” تمثّل نموذجاً رجعياَ ومتخلّفاَ، لعدم قدرتها هي تحويل الكثير من قطاعات شعبها الأهلية، كالطلبة  مثلا، إلى شركاء، لأن هؤلاء الشركاء المُفترضين اكتشفوا النفاق السياسي والوطني لهذه السلطة  وبالتالي يبتعدون عنها وعن الانخراط معها أو مشاركتها، لفسادها وإقصائها واستئثارها.. الخ . كما أن أي سلطة هي تكرار للعشائرية، وإنْ بثوب جديد، حيث يكون “المسؤول”، في كل تراتبيه أو بناء أو مؤسسة، هو ” شيخ” يطبعها بطابعه الفردي البدائي، ما يؤكد على عدم قدرة هذه المؤسسات عن الاقلاع والتقدم .

إضافة إلى أن أي سلطة ستكون دون إرادة، بالضروة ! ومع غياب هذه الإرادة فإنها ستكون غير قادرة على إحداث فارق نوعي، يهجس بالتجاوز، لأنه لا يمتلك حقّ الانطلاق أو التغيير .. بل يكون مقيّداً ومستلباً، ويتحرك بأمر الأخرين، وليس بدافع ذاتي حرّ تمليه المصلحة الواجبة.

والسلطة، أي سلطة، ستجد نفسها أمام مجموعة من الثقافات، يفترض أن تكون مثابة حلقات مُتحاضِنة، لكنّ السلطة سترتبك أمامها ولن تجد الآليات والرؤية للتعاطي معها، وأعني بالثقافات : التراث، والثقافة السائدة، والثقافة الوافدة من الخارج (العولمة) . فهل ستتمكن سلطة عشائرية مقيّدة ومستلبة ومتخلّفة من أن تعجن أو تستخلص من هذه الثقافات منظاراً جديداً يدلّها على طريق الضوء ؟ الجواب : لا !

أما “النظام ” ولأنه نظام فهو قادر بالفعل على اجتراح ذلك .

القضاء على النخب :

ولأن السلطة، أي سلطة، لا تريد أن يقيّدها أحد ويحدّ من شهوتها أو تصرّفها أو يهدد مصالحها الذاتية أي نظام، فإنها ستعمل جاهدة على أن تُفرِّغ النُخب من محتوياتها وستعمل على تخريبها ومنع تفعيلها والحدّ من تطوّرها .. بل ستعمل على إنهائها وإبقائها، في أحسن الأحوال، بيادقَ في يدها أو اشكالا دون مضامين حقيقية .. لا حول لها ولا قوة .

والنخب تتعدّد، من نخب سياسية وطنية أو قومية، تتّخذ لنفسها شكل الحركات أو الفصائل أو الأحزاب، أو هي نُخب فكرية اجتماعية تأخذ صيغة النقابة أو الاتحاد أو الجمعية الأهلية، أو هي نُخب ثقافية أو علمية وتكون على شكل جامعات ومساقات وتوجّهات  أو اتحادات، أو هي نخب اقتصادية غالباً ما تتمثّل في الشركات أو في رأس المال المحلي .

وكثيرا ما رأينا ” السلطة” قد اشتقّت لنفسها وسائل، أو اتخذت آليات، تراها مناسبة لذاتها، تعقد من خلالها صفقات أو تتوافق بطريقة أو بأخرى مع بعض تلك النّخب لتصبح شريكة معها أو .. تبتلعها، أو تصعّد فيها من يسوّقها إليها، أو يحوّلها إلى خادمة تتماهى تماماً مع السلطة .. وبالتدريج، سنرى فرزاً واضحاً وخريطة بائنة تقول بأن النخب ؛ إما توافقت وانصهرت مع ” السلطة ” أو صارت صدى لها أو بوقاً، أو ظهيراً منافقاً تبريرياً أو شريكاً متعاوناً رخيصاً لدى ومع هذه السلطة .. أو سنرى نخباً تتلاشى وتتآكل ويتمّ تهميشها وإزاحتها وإبعادها أو إسكاتها وتجويعها ومحاصرتها وتلويثها.. إلى أن تضمر وتخرس .. وإلا  فإن “سيف” السلطة الأمني وأذرعها الإعلامية والمالية التهديدية، كقطع الراتب أو الملاحقة أو المساءلة أو التشويه .. هي ما تبقّى لكل مَن يحدّث نفسه بالمعارضة أو المشاكسة أو الصراخ .. أو المناداة بعودة النظام أو ضرورة إيجاده.

***

باختصار فإن المطلوب هو أن نضع الحصان أمام العربة، بمعنى أن نتحوّل من ” سلطة ” إلى ” نظام” . ولا أقصد الفلسطينيين، على وجه الخصوص، الذين يعيش جزء منهم، تحت ظل سلطة، في جزء يسير من وطنهم التاريخي، بقدر ما أقصد كل شكل حكم هو أقرب إلى “السلطة” .. وعليه أن ينجو بنفسه ليصل ويصبح ” نظاماً”

أي أن المطلوب هو أن نستخلص “النظام  من الفوضى”، ونمارس النقد تجاه كل ما هو غرائزي، إذ لا بد من هزيمة الفوضى في العالم، كما تقول الفيلسوفة جان إيرِس ماردوك. لأن ” السلطة”  هي فرد فاسد يحوّل الناس الى خدم لهفواته ومطامعه، أما النظام فهو المجموع المُعافى الذي يصعّد مؤسسات وحاكماً يعمل عنده ويأتمر بأمره، ويحرص على تطبيق وتحقيق أحلامه وتطلعاته.