المتوكل طه يكتب: في انطلاقة حركة “فتح” الرابعة والخمسين.. دعوة للخوف والخلاص

 

أرى مع المراقبين أنه تم تحييد المهمة الأساسية للحالة الفلسطينية -التي تصدّرتها وتصدّت لتحقيقها حركةُ فتح- وهي مهمة التحرر الوطني ، بفعل قوى خارجية تقاطعت مع مصالح نخبة فلسطينية، وتم استبدالها بحراك اجتماعي، أُنتجت له مؤسسات وعوامل باتجاه التحوّل الديمقراطي (السلطة والمجتمع المدني). وإذا كانت مقولة أنه لا يمكن إنجاز عملية التحوّل الديمقراطي في ظلّ الاحتلال مقولة صحيحة وحتمية، فإنه في هذه الحالة تتعطّل المهمّتين، وهما التحرر الوطني والتحوّل الديمقراطي.

لقد تم خلق حالة من الوَهْم المزدوج (صُنعت لها مناخات ومنابر وأدبيات ومؤسسات)، وهي أننا أنجزنا، بشكلٍ ما، مهمة التحرر الوطني (وهذا لم يتم طبعاً)، وبالتالي تم تعطيل كل أدوات التحرر، وعلى رأسها المقاومة، واستبدالها بأدوات مصُطنعة ومفُتعلة للتحوّل الديمقراطي (وهذا لم يتم إلى حدّ كبير أيضاً) لأنه لا يمكن له أن يكون في ظل الشرط الاحتلالي، وباعتباره ثاوياً ومُحاطاً بالمجهر والضربات الاحتلالية، ولأنه يخلّ بالشرط الأساسي لوجود النظام الديمقراطي، ونعني سُلطة الشعب.

وفي حالتنا في الأراضي المحتلة العام 1967، فإننا نقع ضمن ولاية مُتفق عليها، لم تبلغ حدّ تحكّم الشعب بمصيره، وامتلاك إرادته.

وإذا تم تعطيل سُلطة الشعب وإرادته في القرار، فكل أشكال البنُية الديمقراطية للنظام مشكوك فيها، بل لا يمكن ادّعاؤها أو تسويغها أو التعديل عليها، أو البناء على أساسها، كما لا يمكن الركون إلى إمكانية التراكم على أي بناء اقتصادي أو تنموي أو تحتي، لأن ظلال الاحتلال السوداء والثقيلة تهدم ما تشاء متى تشاء، وتستبيح كل شيء وتخرّبه، وتخلق مناخاً طارداً للاستثمار والتقدم والنماء. وبالتالي، فإن التشدّق بإنجاز العديد من المشاريع ما هو إلاّ ادّعاء في غير مكانه، وتضخيم للهوامش والنتوءات، وتصدير للوَهْم والسراب.

هل نملك سلطات؟

لقد اكتملت عملية التضليل في المفاهيم والرموز في حالتنا الفلسطينية، بمعنى أننا استخدمنا مصطلح “سلطة وطنية”، فيما الولاية المتُفق عليها هي “سلطة”، فقط ، في ظلّ دولة أخرى هي دولة الاحتلال، باعتباره مصدر الولاية .

واستخدمنا مصطلح “سلطة تشريعية” بينما المهمات التشريعية مُوكلة للسلطة في حدود الولاية المتُفق عليها وليس في مطلق إرادة الشعب ، مع الإشارة إلى أن إسرائيل عطّلت عمل المجلس التشريعي معظم الوقت وقبل حلّه  .

واستخدمنا “سلطة تنفيذية” بينما الولاية المنقولة إلينا ليست أكثر من ملفات، وبالتالي هي سُلطة إدارية مُفَوَّضة، وإلاّ فكيف نفسّر وجود الإدارة المدنية، ومناطق أ،ب، ج… إلخ.

واستخدمنا مفهوم الأمن الوطني، ونحن لا نملك أو نسيطر على الأمن القومي (الحدود، المعابر، الأجواء)، ولا نملك السيطرة على الأمن الوطني (التموين، الكهرباء، الاتصالات، الأرض، المياه، الطرقات)، ولا نملك إلاّ وظيفة أمنية محدودة في الجغرافيا والمجالات، ورغم كل ذلك فإن موازنة الأمن بلغت ما بلغت من موازنتنا العامة، فيما بلغت موازنة الثقافة قرابة ثلاثة بالألف على ما أظنّ! أليس في هذا تخريب مقصود وقضاء مُبرم لكل الخلايا الحيّة فينا، واستبدال مهمة السلطة من البناء إلى أداء وظيفة تغريبية استلابية قاتلة؟

إن حركة فتح هي المسؤول الأول والأكبر أمام هذه المعطيات، وهذا هو حصادها المُرّ ! لأنها ” أُمّ الولد ” وصاحبة المشروع ، والأخ الأكبر للفصائل ، والمُتحكّم في الحالة الفلسطينية .

وإذ أطرح هذا المشهد ، فإنني أستهدف حركة فتح لتجيب على هذه التساؤلات ، وهي تدخل عامها الرابع والخمسين ، مكلّلة بإرث باذخ مجيد ، مثلما تحدق بها دوّامات عاصفة وخطيرة .

ولعلي أطرح هذا ، مساهمة منّي وحرصاً على فتح العملاقة ، لعلّها تبرأ من أمراضها وتتخلّص من أثقالها ، لتنطلق حرّة نابضة نافذة ، من جديد ، في فضاء البلاد ، لتخليصها من مظلمتها المُمضة المهلكة .

وللحديث بقية .