المتوكل طه يكتب: نكسة حزيران حوَّلت الفلسطيني من لاجئ إلى فدائي .. وسقوط القدس أدَّى إلى سقوط العواصم المحيطة

إذا كانت النكبة قد اقتلعت شعبنا من أرضه مقابل استيطان مجاميع بشر آخرين فيها، فإن النكسة العام 1967 وسقوط القدس كانت أشد وأنكى وأمرّ.
فالنكبة ، في إحدى معانيها ، ضعف الأنظمة وخيانتها وعدم قدرتها على التنسيق أو المشاركة، والنكسة ، في أهمّ معانيها أيضاً ، أن تلك الأنظمة لم تفقد الشرعية فقط ، وإنما فقدت الرغبة في العمل أو حتى الاستعداد له.
النكسة كانت فضيحة مدوّية أكثر دوياً وضجيجاً من النكبة. النكسة – وهي هزيمة مرّة بأبعاد خطيرة وقد رسمت المنطقة حتى هذه اللحظة – كانت بداية القبول بإسرائيل والتعامل معها والخضوع للأمر الواقع الذي فرضته.
النكسة كانت فضيحة !!لأن الانظمة التي واجهتها ادّعت القومية والاشتراكية والجماهيرية والجاهزية، على عكس الأنظمة التي واجهت الصهيونية العام 1948، كانت فضيحة أيضاً لأن الانظمة العربية العام 1967 كانت تخدع بالقول إنها أتت لتعبِّر عن المطامح والآمال والتطلعات القومية والوحدوية والعروبية، على عكس الأنظمة عام 1948 التي كانت مرتَهنة بأوامر المستعمِر العلني أو الخفي.
كانت النكسة فضيحة لا تغتفر لأن انظمة عام 1967 أتت إلى سدّة الحكم على أساس من نكبة عام 1948 ومن أجل تجاوزها وتصحيحها ، لكنها سقطت في ذات الهوّة بطريقة أكثر قبحاً وأكثر فضائحية.
ضياع القدس فيما سمي بالنكسة يشبه العقاب الجماعي الذي يحلّ بالأمّة إن لم يكن العقاب كله والعذاب كله والمرارة كلها والهزيمة والذل والهوان. وإن استعادة القدس تعني امتلاك كل ذلك دفعة واحدة، وأُبعد في القول لأقول ؛ إن استعادة القدس هي الشرط الوحيد من أجل أن تحيا الأُمّة حياة طبيعية تستطيع فيها أن تتنفس الهواء وتأكل الطعام . الحياة دون القدس ناقصة ولا تستحق أن تكون .
ودون القدس ، الحياة كريهة وضيقة ، ولا سبيل إلى الاستمتاع بشيء فيها.
إن ضياع القدس لا يعني ضياعها فقط ، بل يعني أيضاً تهديد العواصم العربية المحيطة وتهديمها ! وضياع القدس لا يعني تشريد الشعب الفلسطيني أو قمعه أو منعه من التطور، ولكنه أيضاً يعني تجويع الشعب العربي وحصاره وتفتيته وبعثرته ومنعه من التطور وامتلاك أسباب القوة، ذلك أن دولة الإحتلال إسرائيلي لا تمنع الشعب الفلسطيني حقوقه وتطوره، وإنما تقوم أيضاً بتجفيف أسباب القوة والمنعة في دول المحيط – وهذا ما يتمّ منذ سنوات !!- حتى تقوى إسرائيل ويضعف مَن حولها، وحتى تنمو إسرائيل ويموت مَن حولها . إذن ضياع القدس لا يعني ضياع مدينة بل ضياع مستقبل أيضاً.
ولهذا فإن النكسة بمعناها وتجلّياتها وآثارها ونتائجها أشدّ مضاضة من النكبة وأعمق مرارة وأشد وطأة.
إن سقوط القدس لا يعني سقوط غرناطة او سقوط بغداد ، أو الاستيلاء على دمشق .. سقوط القدس عادة ما يرمز إلى خراب وضياع ورخاوة وعدم أهلية مَنْ تضيع منهم البلاد. القدس ليست ككل المدن. إن احتلال الأماكن المقدسة يعني سقوط الكرامة والعزّة، وإن تدنيس المقدّس هو قمة الهزيمة، ولهذا نفهم لماذا شارك صلاح الدين الأيوبي بنفسه في غسل المسجد الاقصى بماء الورد بعد احتلاله لمدة تزيد عن ثمانين عاماً.
إن النكبة ومن بعدها النكسة وما رافقهما من ضعف وفشل عربي، قد حولتا الشعب الفلسطيني إلى شعبٍ مُشردٍ ومشتت، ومورست عليه عمليات التهميش والتغييب والنكران والتجريم وسحب الشرعيات والتعريفات عنه. إن هذه الآليات المختلفة التي مارسها الصديق قبل العدو حوّلت الشعب الفلسطيني عملياً إلى شعب فريد، وتنبع فرادته من قدرته على الصمود أمام كل هذه العمليات التي تشارك فيها قوى ذات جبروت وطغيان. وتنبع فرادة هذا الشعب من قدرته على الثورة ، بغض النظر الآن عمّا أفضت إليه هذه الثورة .
فرادة الشعب الفلسطيني في قدرته على تحويل الخيمة ، من خيمة لجوء إلى خيمة مقاومة ، وتحويل المنفى ، ليس إلى مكان للنجاح او النجاة بل ، إلى مكان للاستعداد والاحتشاد، وتحويل المأساة إلى حكاية لم تكتمل ولم تكتب نهايتها، وتحويل الهزيمة إلى مشارف الطريق المؤدية إلى النصر ، بالضرورة .. وتحوّل الشعب الفلسطيني شاهداً – بعد أن كان شهيداً – على استحالة التعايش مع المشروع الصهيوني التوسعي والاحتلالي والإحلالي أيضاً.