المتوكل طه يكتب: هل العنف أصيل في ثقافتنا؟

 

 

إن القول الجاهز والمريح، بأن هناك بنى ثقافيه أصيلة، تدعو الى العنف والإرهاب، هو قول مجافٍ للحقيقة أولاً، ويحمل في طياته اتهاماً سريعاً وعصبياً لهذه الثقافة ثانياً، وهو نوع من جلد الذات المهزومة والمهمشة والمأزومة ثالثاً، وهو قول لم يكن ولم يطرح في أي يوم من الأيام سوى هذه الايام التي يُطلب فيها من الضحية أن تبرر شرور جلاّدها وفظائعه وجرائمه.

ففي الوقت الذي تحتل فيه بلادنا وتنهب ثرواتنا وتقسّم أوطانا من جديد، يُطلب منا أن ننظّف مناهجنا من التحريض، وأن نُصفّي برامجنا التلفزيونية من العنصرية، وأنْ نُخلص نصوصنا الدينية من الإشارة الصريحة الى آخرنا أو قاتلنا، والمسألة كلها ومن أساسها مغلوطة وعائبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، هي مغلوطة لأن هذا الطلب يأتي من القاتل المحتل الغاصب المتجاوز لكل القوانين والأعراف والمواثيق، وهي عائبة لأن ثقافة القتل والدعوة إليه تُمارس وتُعلن على أعلى المنابر التي خصصت لصيانة البشرية وحماية السلام، إذ أصبح احتلال الدول واغتصاب ثرواتها والدعوة إلى تقسيمها تتم في مجلس الأمن باسم حماية الديموقراطية وحماية الشعوب. أريد هنا أن أقول إنّ اتهام الضحية في نفسها وفي ثقافتها وفي مرجعياتها هي قمة الهزيمة ونهاية الإنكسار، أي أنني أعترض على هذا السؤال بهذا الشكل، وأعترض أيضاً على أن نناقش ما يريد المحتل لنا أن نناقشه، كمسائل الهوية والهوية الثقافية والمرجعيات وإعادة تعريف الذات من جديد، وأعني بذلك أنّ دفع المهزوم الى أنْ يجلد ذاته هو أفضل وسيلة من وسائل تعريته وإضعافه، وتشكيكيه بنفسه وبمنطلقاته. وليس من الصدفة أبداً أن يشهد القرن العشرون أكبر كمية من الكتب التي تشكك في القرآن الكريم والنبي الكريم والصحابة الأجلاء والتاريخ العربي والاسلامي، ولست ضد الجدل وإعادة النقاش والبحث والنبش وإعادة القراءة، ولكني لست مع الهدم من أجل الهدم، ولست مع النقض من أجل العدم والعبث واللاجدوى. إن انهيار الدولة العثمانية على يد الغرب تبعه الكثير من عمليات الهدم المنظم والممنهج، الى درجة أن العالم العربي الاسلامي الآن، هو مجموعة فسيفسائية من الجماعات الإثنية والثقافية والدينية، تماماً كما قال برنار لويس، وليس من قبيل الصدفة أن يقول الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي إن العالم العربي ليس شعباً واحداً بل هو عدة شعوب لا تربطها رابطة واحدة.

في هذا السياق، فإن السؤال أو القول بأن ثقافتنا تحمل في طياتها دعوة للقتل والعنف والإرهاب هو نوع من السُّبَّة الحقيقية في وجه هذه الثقافة، وقبل أن نحفر في هذه المقولة، نسأل ما هي ثقافتنا بالضبط؟ أدّعي القول هنا إن ثقافتنا هي نصوصنا العليا ونماذجنا الكبيرة وقيمنا المطلقة، بالإضافة الى لغتنا واشتباكاتها واشتغالاتها داخل شرطي الزمان والمكان، وإذا كانت هذه هي ثقافتنا، فإن ما يميزها هو الرغبة في السموّ الأخلاقي، وهنا أشير إلى ما يقوله الأنصاري بأن الرغبة في تحقيق الإكتمال الأخلاقي هو ما يميز هذه الثقافة حقاً، وكان كبارنا كلهم على الاطلاق يشيرون الى ذلك فيما كتبوا وفيما قالوا. الله جل وعلا مدح نبيه العظيم بالخُلق العظيم، إن هذه القصدية العالية في السمو الأخلاقي هي التي جعلت من دولنا على استمرار العصور أقدر الدول على احتمال الآخر والتعامل معه والإحسان اليه، والشواهد والشهداء كثر جداً الى درجة لا يمكن حصرهم.

إن البدوي القديم في الصحراء المجهولة والمعتمة، لم يكن يسود ولم يكن يشتهر لولا الكرم، والكرم ليس الجود، بل هو سنام كل شيء أخلاقي رائع وسامٍ. إن الكرم الذي اتصف به العربي القديم إنما هو صفة جامعة لكل خُلق عليّ كريم، ولهذا لم يكن غريباً أن يقول النبي العظيم محمد: إنما بعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق.

ومكارم الأخلاق مجاهدة بين الهوى والمصلحة من جهة، وبين النموذج العالي من جهة أخرى. الأخلاق هي المحك الحقيقي ما بين الصورة والمثال، وبين الواقع وبين النص. حتى ابن خلدون اكتشف قوة الأخلاق في الثقافة العربية الاسلامية ووضعها تحت اسم التقشف مقابل الانغماس في الشهوات والعصبية.

إن هذا الملمح الأساسي والركن الهام من أركان ثقافتنا الذي نجده في تضاعيف كل عصر من العصور السابقة، ليفسر لنا بسهولة، الإنتصارات الكبيرة والهزائم الكبيرة أيضاً في تاريخنا، ليس هناك مثلاً في تاريخ الأمم كلها أمثال صلاح الدين الأيوبي الذي كان يتراجع عن حصاراته الكثيرة، من أجل دمعة من عين طفلة ما، والذي أحبّ حتى أعداءه وعلّمهم بالحب أكثر مما علمهم بالسيف، ولن نجد في تاريخ الأمم كلها مثل خالد بن الوليد الذي أعاد الجزية لأهل حمص لأنه لم يستطع حمايتهم، ولن نجد مثل عمر بن عبد العزيز الذي وضع المال في الشوارع العامة لمن يرغب، هذه نماذج عليا كبيرة نجد أمثالها وأقل منها في كل الدول الإسلامية والعربية، على مدى تاريخنا كله، في الأندلس مثلاً، كانوا يتباهون بالمكتبات، وفي المشرق، كانت قصور الحكام تتسابق أيها تجمع أكبر عدد ممكن من العلماء والفقهاء والمحدثين، وهذا لا يوجد في تاريخ أي أُمة أخرى مثل أمتنا، كما لا يوجد في ثقافة أية أمّة نصّ سلمي،  يؤّسس لثقافة إنسانية رائقة مثلما أسس النصّ القرآني الذي اعتبر قَتْل نَفْسٍ مثل قتل جميع الناس. إن نجوم الأمة العربية الإسلامية ونماذجها العليا هم العلماء والفقهاء والمتصوفة والشعراء الذين ترجموا النصوص المقدسة الى أفعال وأعمال تباهي الأمم بها حتى اللحظة.

إذن، فما حكاية الإرهاب والعنف هذه؟.. وما حكاية هذا الاتهام الجاهل والمتسرع بوجود بنى أساسية للعنف والارهاب في ثقافتنا؟.. ببساطة، إن كل ثقافة عميقة وعريقة وذات مقولة كبرى، تخص الله والإنسان والطبيعة وتقدم حلولها وإجاباتها حول كل ذلك، ستجد بالضرورة أو تخلق حتماً آخرها المختلف، وهذا المختلف عادة ما يكون على درجات متفاوته من العداوة والخصومة، وإن كل مقولة عظيمة وذات أثرٍ ستتعرض دائماً لمختلف التفسيرات والتأويلات البشرية، وإن ما بين الدين، كما أنزله الله وبين الدين كما يفهمه البشر، مسافة تزيد أو تنقص، إلى درجة أن تتولى بعض الجماعات أو الشعوب النطق بإسم الله نيابة عن الله ذاته جل وعلا.

إن طرح المسألة الآن وبهذا الشكل تعني انحرافاً وحرفاً عن السؤال الأكثر أهمية، فبدلاً من البحث عن البنى الثقافية الداعية الى العنف في ثقافتنا، تلك الثقافة التي بدأها محمد بن عبد الله وسمّى نفسه نبي الرحمة، علينا أن نسأل ما هي البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تخلق الدفيئات المناسبة للعنف السياسي والاجتماعي؟.

وبدلاً من البحث عن العيب في ثقافتنا علينا أن نسأل عن العيب في أنظمتنا. وبدلاً من البحث عن نقص أصيل في أرواحنا ووجداننا علينا أن نسأل عن النقص في هياكلنا التنظيمية والإدارية.

الإرهاب والعنف له أسباب معروفة، فالظلم والفقر والخوف وعدم تكافؤ الفرص يؤدي إلى الإرهاب.

والإقصاء والتغييب والتهميش يؤدي الى العنف.

والإلغاء وانعدام الحوار والجدل وسلب الحريات يؤدي إلى الإرهاب والعنف. والإحتلال والقتل والحصار ومصادرة الثروات يؤدي الى الإرهاب.

هذه هي الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تسأل، وهذه هي القضايا التي يجب أن تثار. وبدلاً من أن نبحث عن العطب في أنفسنا ونحن ضحايا، علينا أن نعيد السؤال الى مَنْ يسلب منا كل شيء حتى شواطئنا ورمالنا ومياهنا ورؤوس جبالنا وحرية حركتنا.

إن المستعمر الجديد يختلف عن المستعمر القديم، فالمستعمر القديم كان يأتي الى بلادنا ويبني قلعته ويقاتل، أما المستعمر الحديث فهو يريد أنْ ينظف عقولنا من صورتنا التي نريدها لأنفسنا من أجل صورة أخرى يريدها لنا، هذه الصورة التي يريدها لنا تقول إننا بشر متوحشون بلا أخلاق، وإننا أصحاب ثقافة تدعو إلى القتل وعدم الحوار مع الآخر، وإننا بذلك نستحق التأهيل من جديد، وحتى نصل إلى هذا التأهيل المطلوب لا بد من المرور بفصل طويل من التقتيل، وهو ما نراه الآن في كل زاوية من زوايا عالمنا العربي والاسلامي.

ثقافتنا ثقافة رحمة وتسامح وأخلاق، أما محتلنا فهو الذي تزخر نصوصه ونماذجه وتاريخه بفصول طويلة من القتل والذبح والاستعلاء، وإنّ ما حصدته الحربان العالميتان الاولى والثانية أكثر من تسعين مليون نفس مثلاً، والعالم الآن يمشي على حد السكين بسبب ما أفرزته ثقافة الموت والخوف والتوجس من أسلحة دمار تكفي لتدمير العالم اكثر من عشر مرات. عن أية ثقافة تتحدث إذن؟ وعن أي ثقافة يتحدث أولئك الذين يرمون القنابل الذرية على المدُن، ويقيمون دولهم فوق عظام المواطنين الأصليين الذين أبادوهم، ويعممّون ثقافة المسخ تحت شعارات العولمة ؟