انقلاب في البرلمان التونسي.. ولادة صعبة لحكومة «مستحيلة»

تعلن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التونسية،غدا الاربعاء، النتائج النهائية الكاملة للانتخابات التشريعية بعد استكمال فرز النتائج لكل الدوائر الانتخابية التي يبلغ عددها 33 دائرة وبعد النظر في التقارير الواردة حول المخالفات والإخلالات حول سير العملية الانتخابية، وتفيد الإحصاءات المعلن عنها من قبل الهيئة، بأن نسبة الإقبال على مكاتب الاقتراع بلغت 7ر41 بالمائة، ولم تتجاوز نسبة إقبال الشباب (ما بين 18 و25 سنة ) على التصويت الـ9 بالمائة، وهي نسبة وصفت بالـ «المرعبة» لعزوف الشباب عن المشاركة، وفقدانه الثقة في الساحة السياسية والأحزاب، وهذه النسبة من المشاركة، وبحسب رئيس الهيئة نبيل بفون، تحمل «رسالة يجب أن نحسن قراءتها والتفكير فيها، من قبل رجال السياسة وعلماء الاجتماع السياسي وغيرهم».

 

  • وتراقب الدوائر السياسية والحزبية والإعلامية في تونس، تداعيات التقديرات الأولية لنتائج الانتخابات التشريعية، والتي تنبىء بتشكيل برلمان  شديد التشتت، أي ولادة صعبة لبرلمان مشتت، سوف يضع تشكيل الحكومة القادمة على رأس أهم التحديات، فإن تعذر تشكيلها ستكون التبعات وخيمة، وإن تشكلت فإنها ستكون ضعيفة وهشة.. وبذلك يكون المشهد أقرب إلى «انقلاب في البرلمان» و «الحكومة المستحيلة»، مما يزيد من تصدعات الواقع السياسي والتشريعي في تونس، تضاف إلى المآزق الدستورية والقانونية التي فرضها وضع المترشح للرائسة السجين نبيل القروي وهي مآزق تنتهي تباعتها بإعادة الانتخابات الرئاسية !!

 برلمان شديد التشتت

ووفقا لمؤشرات النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، فإن المشهد البرلماني القادم شديد التشتت بين كتل برلمانية متفاوتة العدد أكبرها حزب النهضة (40 نائبا) وأقلها التيار الديمقراطي(14نائبا)، وبينهما 5 تشكيلات سياسية موزعة بين (33 نائبا) لقلب تونس و(18 نائبا) إئتلاف الكرامة و(16 نائبا)  وحركة الشعب والحزب الدستوري الحر (14 نائبا لكل منهما).. وتتساءل وسائل الإعلام التونسية: هل يمكن تشكيل حكومة من هذه الفسيفساء المشتتة للمشهد النيابي القادم؟

من الواضح أن المشهد السياسي التونسي، اصبح أمام فرضيات واحتمالات قائمة:

  • الفرضية الأولى.. يستحيل معها تشكيل الحكومة، وترتكز هذه الفرضية ، بحسب تقريثر صحيفة الشروق التونسية، على المواقف الرسمية المعلنة لأغلب التشكيلات السياسية الممثلة في البرلمان القادم، فحزب قلب تونس الذي حل في المركز الثاني أعلن صراحة عدم امكانية تحالفه مع حركة النهضة وفق تأكيد القيادي عياض اللومي، كما أعلن الأمين العام لحزب حركة الشعب، زهير المغزاوي، اصطفاف حزبه في المعارضة على غرار حزب التيار الديمقراطي،فيما يتمسك الحزب الدستوري الحر بموقفه المبدئي الرافض للتحالف مع النهضة، بما يعني أن الأغلبية العددية والتي يمكن أن تشارك حركة النهضة الحكم لا تتعدى 90 نائبا باحتساب مقاعد النهضة و ائتلاف الكرامة وتحيا تونس وبعض المستقلين.

 

 

 استحالة تشكيل الحكومة و إعادة الانتخابات بعد 6 أشهر

ويذكر أن الدستور التونسي، ينص على مراحل  تشكيل الحكومة، حيث يكلف رئيس الجمهورية، خلال أسبوع من إعلان النتائج النهائية، مرشح الحزب المتحصل على  أكبر عدد من المقاعد (النهضة) بتشكيل حكومة خلال شهر يجدد مرة واحدة، واذا ما استحال ذلك يكلف رئيس الجمهورية الشخصية الأقدر بتشكيل الحكومة في أجل أقصاه شهر، فان تعذر ثانية ذلك بعد مرور 4 أشهر عن التكليف الأول لرئيس الجمهورية يقع حل البرلمان والدعوة الى انتخابات تشريعية في أجل يمتد بين 45 يوما وشهرين، بما يعني أن الفرضية الأولى ستقود الى استحالة تشكيل الحكومة وإعادة الانتخابات بعد 6 أشهر من إعلان النتائج النهائية.

وهذه الفرضية لها تداعيات سلبية عديدة أمنية وسياسية وتشريعية ومالية .. كما لا تتضمن ضمانات حقيقية نحو الوصول الى برلمان مستقر لو أعيدت الانتخابات.

 

  • والفرضية الثانية.. امكانية تشكيل الحكومة وذلك عملا بالمبدأ البراغماتي « لا شيء ثابتا في السياسة»، وعليه تكون حسابات المصالح باختلاف مسمياتها سواء الخاصة أو الحزبية أو الوطنية محددا رئيسيا في بلوغ توليفة عددية قادرة على منح الثقة للحكومة، وتستند هذه القراءة الى معطيات موضوعية من بينها ان يتم طرح حكومة كفاءات حزبية بترضيات متفاوتة يمكن تمريرها في البرلمان ولو بالحد الأدنى، ويضيف تقرير الصحيفة التونسية، إذا افترضنا جدلا أن هذه التوليفة «العجيبة» والمتباعدة فكريا وسياسيا استطاعت تشكيل الحكومة فهل ستكون هذه الحكومة في مستوى التطلعات والانتظارات عالية السقف ؟ لقد أثبتت التجربة السياسية في تونس عجز حكومة الشاهد الحاصلة على اكبر حزام سياسي (167 نائبا منحها الثقة) على الاستجابة الى التحديات المطروحة وخاصة منها الملفات الحارقة ذات الصبغة الاجتماعية والاقتصادية فماذا عن توليفة هجينة قد تنجح في تمرير الحكومة ينفرط عقدها في مجمل المحطات الكبرى ومنها المصادقة على الميزانية وإرساء المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المحكمة الدستورية فضلا عن القوانين الأساسية وكل ذلك سيعجل بتصاعد منسوب التوتر تحت قبة البرلمان لينتهي المطاف الى عجز الحكومة عن تنفيذ سياساتها.

في المحصلة.. فإن المشهد السياسي  التونسي، أمام خيارين:

  • الخيار الأول.. أن تستطيع حركة النهضة تشكيل حكومة ائتلافية وتشير الافتراضات الى امكانية تحالفها مع أحزاب تحيا تونس وائتلاف الكرامة، وهناك انباء عن امكانية قرب حركة الشعب من ذلك قياسا بمشاركتها في حكومة 2011، وربما في هذه الحالة سيتم اقتراح رئيس حكومة مستقل أو غير منتم لحركة النهضة لتواصل الحركة الاختفاء وراء رئيس حكومة من خارجها، وفي هذه الحالة ستكون الحكومة هشة وضعيفة ولن تصمد طويلا خاصة إذا علمنا حجم التناقضات داخل مكونات هذا التحالف المفترض.

 

  • الخيار الثاني.. وهو الأقرب إلى المنطق، أن تعجز حركة النهضة عن تشكيل الحكومة استنادا الى أسباب عديدة منها أن أغلب الأحزاب تقرأ التاريخ وتعلم أن الأحزاب التي تقاربت مع النهضة كان مصيرها الزوال على غرار المؤتمر والتكتل والنداء، وكذلك أن العديد من الكتل البرلمانية لا تريد الدخول في حكومة تعلم انها ستكون ضعيفة وحاملة لتناقضات متعددة.