بعد 15 عامًا على رحيله.. لغز وفاة الزعيم عرفات مازال غامضًا

توافق اليوم الذكرى السنوية الـ15 لرحيل الرئيس الفلسطيني الشهيد  ياسر عرفات “أبو عمار”، الذي توفي في العاصمة الفرنسية باريس متأثرًا بالمرض، وسط إحياء للذكرى الأليمة التي لحقت بالشعب الفلسطيني وتداعياتها التي انعكست سلباً على كافة أوجه المشهد السياسي في فلسطين، والتي تمثلت في الانقسام و الاستياء شعبي واسع من تأخر كشف لغز قتله. 

واستشهد الزعيم عرفات في المستشفى العسكري الفرنسي ” بيرسي” بعد فترة من وعكة صحية ألمت به في 11 نوفمبر 2004، وأٌثيرت شبهات بإمكانية تعرضه للسم، غير أن ملفه الصحي في المستشفى الفرنسي العسكري الذي رقد فيه ترك الكثير من الغموض بشأن أسباب وفاته.

وقد أعلن المستشفى ” بيرسي” حينها وفاة عرفات في بيان مقتضب قدمه المتحدث باسم المستشفى، لكنه أحجم عن كشف تفاصيل نتائج التحاليل والاختبارات، وسبب الوفاة وما إذا كان قد أُجري لجثة الرئيس الفلسطيني عمليات تشريح.

ونقل جثمان عرفات من باريس إلى القاهرة ثم إلى رام الله، ودفن في مقر المقاطعة في جنازة شعبية  مهيبة بعد رفض إسرائيل دفنه في القدس المحتلة. وقد شارك بوداعه العشرات من القادة والزعماء ورؤساء العالم .

غموض حول أسباب الوفاة:

وبعد مواراة جثمان الرئيس الشهيد ياسر عرفات الثرى لا يزال المسؤولون الفرنسيون يلتزمون الصمت بخصوص ماهية المرض الذي أدى إلى وفاته على الرغم من وجود الكثير من نتائج المسح وتحليل العينات واختبارات الدم التي يمكن أن تحدد خلال دقائق وظائف كليتيه وكبده ورئتيه، ولكن ذلك لا يزال سرا.
وفي الخامس والعشرين من نوفمبر 2012، أخذ خبراء روس وفرنسيون وسويسريون عينات من جثمان عرفات، بعد فتح ضريحه في رام الله، لفحص سبب الوفاة.واستبعد الخبراء فرضية الاغتيال، وقالوا، إن وجود غاز “الرادون” المشع في البيئة الخارجية قد يفسر ارتفاع المواد المشعّة في العينات.

لكن ذلك يتنافى مع ما أكده معهد “لوزان السويسري” للتحاليل الإشعاعية ، والذي كشف في تحقيق صحفي بثته قناة “الجزيرة” انئذاك في العام 2012، وجود “بولونيوم مشع” في رفات عرفات، وسط تقديرات بأنه مات مسموما بهذه المادة.

التحقيق مستمر:

وفي الذكرى الخامسة عشر لاغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات، قال رئيس اللجنة المكلفة بالتحقيق في قضية الاغتيال عضو اللجنة المركزية لحركة فتح توفيق الطيراوي، إن المواطنين مستعجلين في معرفة نتائج التحقيق ومعرفة التفاصيل الدقيقة للعملية.

وقال الطيراوي، في تصريحات له أمس: “المواطنون في عجلة من أمرهم لمعرفة القاتل، ولكن حقيقة الأمر بأن جرائم الاغتيال التي تطال الزعماء والقادة كما أبو عمار لا تقاس بالوقت”.

وتابع: “نحن نقوم بعمل دائم ومستمر من أجل الوصول إلى النتائج فيما يخص اغتيال أبو عمار، وسنصل إلى نتيجة ترضي كل أبناء الشعب الفلسطيني”.

وجدد تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، التأكيد على أهمية نشر نتائج التحقيق حول استشهاد الرئيس الراحل.
وأكد تيار الإصلاح الديمقراطي ،في بيان صحفي بمناسبة الذكرى الـ15لاستشهاد ياسر عرفات، على مطالبته بالإعلان عن نتائج التحقيق حول استشهاد الزعيم الراحل، باعتبار ذلك حقا مشروعا لكل مواطن فلسطيني وكل أحرار العالم.

وتابع:“إنه وبعد خمسة عشر عاما لم تظهر بعد نتائج التحقيق في عملية الاغتيال الصامت له بالسم الإسرائيلي، ولم يتم الكشف عن أيادي الغدر والخيانة التي شاركت في اغتياله، بالرغم من توالي لجان التحقيق الرسمية التي شكلها رئيس السلطة محمود عباس”.
ولفت التيار الديمقراطي إلى أن نتائج التحقيق ظلت في طي الكتمان، في ظروف ومعطيات تثير الشك والريبة، وسط استثمار للأجواء الضبابية المحيطة بعملية الاغتيال في توزيع التهم جزافاً على الآخرين.

ياسر عرفات:

ولد الرئيس الراحل “أبو عمار” في القدس في الـرابع من آب عام 1929، واسمه بالكامل “محمد ياسر” عبد الرؤوف داود سليمان عرفات القدوة الحسيني، وتلقى تعليمه في القاهرة، وشارك بصفته ضابط احتياط في الجيش المصري في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر في 1956.

درس الراحل في كلية الهندسة بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة، وشارك منذ صباه في بعث الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال نشاطه في صفوف اتحاد طلبة فلسطين، الذي تسلم زمام رئاسته لاحقاً.

كما شارك الراحل مع مجموعة من الوطنيين الفلسطينيين في تأسيس حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” في الخمسينات، وأصبح ناطقا رسميا باسمها عام 1968، وانتخب رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية في شباط 1969، بعد أن شغل المنصب قبل ذلك أحمد الشقيري ويحيى حمودة.

ألقى أبو عمار عام 1974 كلمة باسم الشعب الفلسطيني، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وحينها قال جملته الشهيرة “جئتكم حاملا بندقية الثائر بيد وغصن زيتون باليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي”.

وبصفته قائدا عاما للقيادة المشتركة لقوات الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، قاد “أبو عمار” خلال صيف 1982 المعركة ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان، كما قاد معارك الصمود خلال الحصار الذي فرضته القوات الإسرائيلية الغازية حول بيروت طيلة 88 يوما انتهت باتفاق دولي يقضي بخروج المقاتلين الفلسطينيين من المدينة، وحين سأل الصحفيون ياسر عرفات لحظة خروجه عبر البحر إلى تونس على متن سفينة يونانية عن محطته التالية، أجاب “أنا ذاهب إلى فلسطين”.

محاولات اغتيال :

وفي الأول من تشرين الأول 1985 نجا ياسر عرفات بأعجوبة من غارة إسرائيلية استهدفت ضاحية “حمام الشط” بتونس، وأدت إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى من الفلسطينيين والتونسيين،
وشن الاحتلال الإسرائيلي عددا من العمليات العسكرية في لبنان وغيرها من البلدان ، للقضاء على المقاومة واغتيال عرفات، كان أبرزها الاجتياح الإسرائيلي للبنان، عام 1982، وعملية حمام الشط في تونس وغيرها العشرات من محاولات الاغتيال لكنها باءت بالفشل .

وبعد الاجتياح، أُجبرت القيادة الفلسطينية، بقيادة عرفات، على التفاوض للخروج نهائيا من لبنان، وتم إبرام اتفاق تخرج بموجبه “المقاومة” الفلسطينية، تحت الحماية الدولية من لبنان، مع ضمان أمن العائلات الفلسطينية.

وعقب إعلان الاستقلال في الجزائر في الخامس عشر من تشرين الثاني عام 1988، أطلق الراحل في الثالث عشر والرابع عشر من كانون الأول للعام ذاته في الجمعية العامة للأمم المتحدة مبادرة السلام الفلسطينية لتحقيق السلام العادل في الشرق الأوسط، حيث انتقلت الجمعية العامة وقتها إلى جنيف بسبب رفض الولايات المتحدة منحه تأشيرة سفر إلى نيويورك، وأسست هذه المبادرة لقرار الإدارة الأميركية برئاسة رونالد ريجان في الـ16 من الشهر ذاته، والقاضي بالشروع في إجراء حوار مع منظمه التحرير الفلسطينية في تونس اعتبارا من 30 آذار 1989.

اتفاقية السلام:

وانخرطت إسرائيل ومنظمة التحرير في مفاوضات سرية ،أسفرت عام 1993 عن الإعلان عن اتفاقيات أوسلو، حيث قام ياسر عرفات،بوصفه رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، بالاعتراف رسميا بإسرائيل، في رسالة رسمية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، في المقابل اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني.

ووقع ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين عام 1993، اتفاق إعلان المبادئ “أوسلو” بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل في البيت الأبيض، في الثالث عشر من أيلول، حيث عاد ياسر عرفات بموجبه على رأس قيادة منظمة التحرير إلى قطاع غزة .

وفي العشرين من كانون الثاني 1996 اُنتخب ياسر عرفات رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية في انتخابات عامة، وبدأت منذ ذلك الوقت مسيرة بناء أسس الدولة الفلسطينية.

وبعد فشل مفاوضات كامب ديفيد في 2000 نتيجة التعنت الإسرائيلي وحرص ياسر عرفات على عدم التفريط بالحقوق الفلسطينية والمساس بثوابتها، اندلعت انتفاضة الأقصى في الثامن والعشرين من أيلول 2000. واتهمت إسرائيل “عرفات”بالتحريض على تنفيذ عمليات ضد الإحتلال ودعم الفصائل المسلحة وفي مقدمتها كتائب شهداء الأقصى الذي كان لها الدور الكبر في مواجهة المستوطنين وجنود الإحتلال في الضفة وغزة، وتنفيذ عمليات عسكرية داخل المدن والبلدات الإسرائيلية.

حصار عرفات في رام الله

وتعرض الشهيد عرفات من قبل الإدارة الأمريكية وإسرائيل لحملة لإقصائه عن السلطة أو إبعاده عن مركز القرار فيها بدعوى تحميله مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع في أراضي السلطة الفلسطينية من تدهور، ففي يوم 24 مايو 2002 طلب الرئيس الأمريكي جورج بوش تشكيل قيادة فلسطينية جديدة، وبسبب الضغط الدولي وانسداد الأفق السياسي إضطر عرفات للتنازل عن بعض صلاحياته لرئيس الوزراء محمود عباس ولكن عباس سرعان ما استقال وتولى المنصب أحمد قريع.

وحاصرت قوات ودبابات الاحتلال الرئيس عرفات في مقره، بذريعة اتهامه بقيادة الانتفاضة، واجتاحت عدة مدن في عملية أطلقت عليها اسم “السور الواقي”، وأبقت الحصار مطبقا عليه في حيز ضيق يفتقر للشروط الدنيا للحياة الآدمية.

ودمرت الدبابات الإسرائيلية أجزاء من مقر القيادة الفلسطينية، ومنعته من السفر لحضور القمة العربية في بيروت، عام 2002، ومن المشاركة في أعياد الميلاد بمدينة بيت لحم (جنوب الضفة). حتى تدهورت حالته الصحية بشكل غير مسبوق وخطير وتم نقله على وجه السرعة الى مستشفى ” بيرسي ” االعسكري الفرنسي ، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة هناك في أجواء يكتنفها الغموض والسرية حول تورط إسرائيل في اغتيال قائد الشعب الفلسطيني .