بهاء العوام يكتب: المكرمة الأمريكية والإغواء الأخير للسلطان في سوريا

قرار ترامب بالانسحاب من سوريا هو مكرمة وهب بها أردوغان حصة الولايات المتحدة من الكعكة السورية، وبالتالي يمكن القول أن أكراد الجزيرة الآنيعيشونآخر أيامهم بانتظار الموت القادم عبر الآلة العسكرية التركية.

هو فهم بسيط للقرار الأمريكي يروج له البعض، ولكن “دفن الكرد” سيتطلب من السلطان العثماني أكثر من تحريك فصائل المعارضة السورية التي يملكها، وما حدث في عفرين لن يكون مثلا يحتذى في شرق نهر الفرات.

الصورة الأشمل للانسحاب الأمريكي، هي الانسحاب من المعادلة السورية بأكملها ميدانا وسياسة، وبالتالي تركها بيد اللاعبين الثلاثة الأخرين، إيران وروسيا وتركيا، ليقرروا مصير البلاد وفقا لمسار أستانة وليس مفاوضات جنيف.

قبل كل شيء لم يكن قرار ترامب اعتباطيا وقد حصل مقابله على مكاسب عدة في سوريا وأزمات أخرى في المنطقة، فضلا عن مكاسبه الداخلية في التأكيد مجددا على إلتزامه بشعار “أمريكا أولا” الذي أوصله للبيت الأبيض.

سنترك لقادم الأيام الكشف عن مكاسب ترامب في قراره، ونتوقف عند تداعيات القرار على المعادلة السورية التي باتترهنابمشيئة العواصم الثلاث أنقرة وموسكو وطهران، ومن يريد دورا فيها لابد له أن يمر عبر واحدة منها.

المشترك بين العواصم الثلاث في سوريا بات يتمثل بأربعة نقاط رئيسية، أولا حماية احتلالهم المباشر للبلاد، وحدة سوريا تحت سيطرتهم، إعادة إعمار سوريا بما يحقق لهم الربح، وإعادة اللاجئين لقتل الأزمة دوليا وسياسيا.

توحد أهداف الدول الثلاث لا يعني تمام الاتفاق، فلكل منهم طريقة لتنفيذ النقاط الأربع، ولكن انحسار طاولة المفاوضات إلى ثلاثة مقاعد فقط سيسهل الوصول لتوافق يترجم واقعا بدءا من عام 2019 ويمتد لنحو عشر سنوات.

بالنسبة للأتراك فإن الخطوة الأولى تبدأ بترتيب الحدود الشمالية لسوريا مرةً واحدةً وإلى الأبد، بمعنى إنهاء اتصال الكرد بين الدولتين والفصل بينهما بما يضمن موت أحلام الكرد بدولة مستقلة أو إقليم مستقل في سوريا. قرار ترامب بالانسحاب من الشمال سمح للأتراك بتحقيق هذا الحلم، ولكن ليس عبر إبادة الكرد كما يعتقد البعض، وإنما عبر التنسيق مع الروس والإيرانيين للفصل بين الكرد في البلدين بحاجزين أحدهما عسكري والثاني ديمغرافي.

بالنسبة للحاجز العسكري فيمكن أن يكون بنشر قوات سورية وروسية مشتركة أو قوات روسية وتركية مشتركة على الحدود، أما الحاجز الديمغرافي فلابد من تغيير التركيبة السكانية للشمال السوري حتى تزول الغالبية الكردية من هناك، وهنا تكون إعادة اللاجئين السوريين إلى مناطق الكرد شرق نهر الفرات، هو ضمانة تركيا الوحيدة في حاجزها الديمغرافي الذي ترنو إليه، وبخاصة هؤلاء الذين باتوا يحملون الجنسية التركية وينطقون بلسانها.

اللاجئون السوريون العرب العائدون من تركيا ليستوطنوا في مناطق الشمال سيتحولون إلى أقليات تركمانية يتوجب على تركيا حمايتهم في أي وقت، وبالتالي ذريعة التوغل التركي داخل العمق السوري ستبقى لتكبر مع مرور السنين، ولا نستبعد إن تغير تركيا خارطتها مستقبلا لتشمل عدة مناطق في الشمال السوري بحجة أن هناك أتراك يقطنونها، ويكون مصير هذه المناطق تماما مثل مصير لواء الاسكندرون.

على الضفة الروسية لن تمانع موسكو خطط تركيا شرط أن يرفع العلمان الروسي والسوري فقط على الحدود، من الأفضل أن يرفع فوق كامل الحدود الشمالية للبلاد طبعا، ولكن ربما تقبل موسكو بحدود شرق الفرات بشكل مؤقت، خاصة وأن تركيا ستعيد اللاجئين وستعيد إعمار البلاد في الشمال، وهو ما يعتبر بالنسبة للروس بداية نهاية الأزمة وفقا لمخططاتها.

ما يهم إيران بعد الانسحاب الأمريكي هو حدود سوريا مع العراق وليس مع تركيا، وبالتالي لا ضير من السماح لأنقرة بتبديد مخاوفها على حدودها الجنوبية طالما أنها ستغض الطرف عما يحدث حول البوكمال والبادية السورية. صحيح أن الولايات المتحدة لا زالت تعارض أي وجود إيراني في سوريا، ولكن طرد القوات الإيرانية لم يدرج ضمن صفقة ترامب وأردوغان الأخيرة، ولن تقوم به أنقرة وموسكو، على الأقل خلال السنوات القليلة المقبلة.

حاليا يوجد خيارانللتخلص من الاحتلال الإيراني في سوريا عسكريا، حرب أمريكية على الإيرانيين في عقر دارهم أو حرب عليهم فوق الأراضي السورية، وكلا من الخيارين ينطوي على مخاطرة كبيرة ولا يمكن التنبؤ بتداعياته على المنطقة ككل، ولكن مع وجود رئيس مثل ترامب يقود الولايات المتحدة لن تستغرب اشتعال حرب عالمية ثالثة في أول يوم من أيام السنة الجديدة أو توقيع واشنطن لمعاهدة نووية مفاجئة مع طهران بين ليلة وضحاها.