تجديد الخطاب الديني «حائر» بين المؤسسات الدينية والمدنية

بالرغم من مرور عدة أسابيع على الجدل، الذي أثير حول تجديد الخطاب الديني بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وبين الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، خلال فعاليات مؤتمر الأزهر الدولي لتجديد الخطاب الديني، إلا أن النقاش ما زال مستمرا في محاولة من كلا الطرفين لإثبات صحة فرضيته وطريقته في مفهوم التجديد.

في الوقت ذاته، لم يقف الأزهر الشريف عند حدود مؤتمر التجديد، الذي عقده، بل قام بعدد من الفعاليات عبر عقد الندوات واللقاءات، كما استغل معرض الكتاب ليطرح رؤيته في تجديد الخطاب الديني من خلال الكتب، التي قام بعرضها أو الندوات التي عقدت في جناح الأزهر على هامش معرض الكتاب.

مساعي الخشت لبسط رؤيته في تجديد الخطاب الديني

الخشت في مساعيه للأخذ بزمام تجديد الخطاب الديني، بدأ في عقد عدة لقاءات وكتابة عدد من المقالات التي تروج لفكرته في تجديد الخطاب الديني، محاولا الخروج بفكرة التجديد بعيدا عن المؤسسات الدينية.

وفي لقائه مع السفير الفرنسي بالقاهرة، ستيفان روماتييه، قال الدكتور الخشت، إنه يعمل على تغيير طرق التفكير القديمة بطرق التفكير الحديثة، مؤكدًا أن سر الانتقال من عصر إلى عصر هو تغيير طريقة تفكير الناس ورؤيتهم للعالم، مشيرا إلى أهمية أن تكون رؤية التعليم الديني من منطلق العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، وضرورة أن تقوم كليات وجامعات جديدة لدراسة العلوم الدينية بطرق حديثة وتخريج أجيال من أجل تجديد الخطاب الديني باستمرار.

وأوضح السفير الفرنسي، أن موقف الدكتور الخشت من تجديد الخطاب الديني في مؤتمر الأزهر أحدث أصداء واسعة بفرنسا، واصفا رده بـ”رجاحة الحجة”، مشيرا إلى أن الحوار والمناقشة بين رئيس جامعة القاهرة وشيخ الأزهر جديرة بالاحترام بين اثنين من أكبر المفكرين، لافتًا إلى أنه لا يؤيد فكرة اقتصار مناقشة ما يتعلق بالجانب الديني على رجال الدين دون غيرهم، مؤكدًا أن الفلاسفة والمفكرين عليهم أن يساهموا في هذا الأمر.

الخشت ومفتي الجمهورية المصرية

في مسعى آخر لللبحث عن معززين لفكرته في تجديد الخطاب الديني، استقبل الخشت، الدكتور شوقى علام مفتى الديار المصرية، فى مكتبه بمبنى القبة وتبادل معه مناقشة عدد من القضايا الهامة، وعلى رأسها  قضية التجديد، حيث تم التأكيد على ضرورة تغيير الفتوى بتغير ظروف العصر وتغير الزمان والمكان، فيما أوضح المفتي أن تجديد الخطاب الدينى ضرورة قصوى.

تشرفنا بفضيلة مفتى الديار المصرية أ. د. شوقي علام#جامعة_القاهرة_التجديد# خطاب_ديني_جديد

Gepostet von Mohamed Othman Elkhosht am Freitag, 14. Februar 2020

وأكد الدكتور الخشت، أن مشروع جامعة القاهرة القومي حول تطوير العقل المصري، في القلب منه تطوير العقل الديني، مشددًا على أن الجامعة تفتح منذ عامين حوارًا مجتمعيًا مع المفكرين والمثقفين والأكاديمين حول سبل تأسيس عصر دينى جديد، بالرجوع إلى الأصول النقية وتجديد فهم المتن المقدس من أجل الوصول إلى خطاب ديني جديد، موضحا أن القرآن والسنة ليسا تراثًا، بل فوق التراث، ولكن التراث ھو ما أنتجه علماء التفسیر والفقهاء وعلماء الجرح والتعديل وشراح الحدیث وغيرهم من العلماء في كافة المجالات، علاوة على العادات والتقاليد ومنتجات الثقافات الأخرى.

الخشت يحارب في كل الاتجاهات

وفي مقال له تحت عنوان “فنون السب والتعيير دفاعا عن العقائد” نشره بصحيفة الأهرام المصرية يوم الأحد 16 فبراير 2020، قال رئيس جامعة القاهرة إن تأسيس عصر ديني جديد، لا يعني الإتيان بدين جديد، وأن التراث فمنه الحي ومنه الميت، منه الإيجابي ومنه السلبي، حتى في علم أصول الدين، وهو علم بشري، نجد السلبي ونجد الإيجابي، نجد ما يبتعد عن مقاصد القرآن والسنة الصحيحة، ونجد ما يتفق معهما.

وأكد الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، خلال احتفالية تسليم الشهادات والأنواط والأوسمة للعلماء الفائزين بجوائز الدولة، على أهمية التوقف للتأمل في إعادة بناء الأفكار وضرورة تغيير طرق التفكير حول القضايا ذات الأولوية المتعلقة بالإنسان المصري.

وأشار إلى أن مصر تمر بمرحلة تحول نوعي وتاريخي يرتهن به مصيرها ومستقبلها، ويجعل من اللازم إعادة النظر في طرق التفكير وتطوير العقل المصري وتطوير العقل الديني لأننا لن نستطيع الانتقال إلى عصر العلم والصناعة والتكنولوجيا البازغة دون الانتقال من العقل القديم إلى العقل الجديد.

وتساءل رئيس جامعة القاهرة، كيف يمكن أن ننتقل إلى عصر العلوم الجديدة بطرق التفكير القديمة، مؤكدًا أن المسألة تتعلق بطرق التفكير، وأن الذين يتمسكون بطرق التفكير القديمة ويعيشون في الماضي هم المسؤولون مسؤولية مباشرة عن عدم الالتحاق بعصر التكنولوجيا والعلم؛ لأن مناهج التفكير العلمي هي الأساس في هذا الانتقال، فكيف يمكن أن أصل إلى الفضاء بوسائل النقل القديمة؟ وبالمثل كيف نحقق انجازا في العلوم بطرق التفكير القديمة، طرق التفكير اللاهوتية الكهنوتية السحرية؟

وأشار الخشت إلى أن أوربا والصين وأمريكا وفرنسا وغيرها لم تتحول من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، إلا بعد أن غيرت طريقتها في التفكير، والانتقال من طرق التفكير الكهنوتية والميتافيزيقية والسحرية إلى طرق التفكير العلمي، مؤكدًا ضرورة الانتقال في مصر إلى طرق التفكير العلمية حتى نتقدم في كافة المجالات الصناعية والتكنولوجية.

الأزهر ما بعد مؤتمر تجديد الخطاب الديني

بدوره كان للأزهر تبعات في بسط وطرح رؤيته الخاصة بتجديد الفكر الديني، حيث واصلت هيئة كبار العلماء وهي إحدى مؤسسات الأزهر الشريف عقد دورات لعدد من الأساتذة بفروع جامعة الأزهر للتأكيد على رؤية الأزهر في مفهوم التجديد، حيث أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق، أن المسلمين اهتموا بكل فروع العلم لحماية التراث الإسلامي وإنه من الضرورة معرفة كيف كان يفكر صحابة رسول الله في النص الشرعي، وكيف كانوا يفكرون في وصف الاجتهاد المطلق الذي أتى من عند الله تعالى في كتابه، والاجتهاد النسبي الذي يعيشونه في ذلك الكون النسبي.

وأكد الدكتور عبد الفتاح العواري، عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر بالقاهرة، أن منهج الأزهر يتميز بمراعاة التراث الإسلامي الرصين والحفاظ عليه من جهة، والانفتاح السديد المنضبط على الثقافات .

وقال الدكتور محمد أبو موسى، أستاذ البلاغة وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن استعجام العقل العربي كارثة لا بد أن نمنعها، لأن هذه الكارثة ليست ثقافية فحسب؛ وإنما هي كارثة قومية ودينية، لأنها تعني نهاية الوجود العربي الإسلامي لهذه الأمة، مبينًا ضرورة أن نفرق بين طرق قراءتنا للكتب التي أسست المعرفة، والكتب التي جاءت بعد ذلك فجمعت وشرحت، فالكتب شاركت في تأسيس العلوم نتعرف من خلالها على طرائق العلماء ومسالكهم في تأسيس المعرفة، مؤكدا على ضرورة العودة إلي علومنا ومناهج علمائنا، وأن نحي ذلك ونعرف كيف كانت تتفجر ينابيع العلم تحت درب أقلامهم.

معرض الكتاب وسيلة الأزهر للترويج لفكرته حول تجديد الخطاب 

في معرض الكتاب، أهدى الأزهر الشريف لرواد جناحه بمعرِض القاهرة الدوليّ للكتاب، مجموعة من أبرز الكتب التي تناقش قضايا التجديد، وتوضح مقاصد الشريعة الإسلامية ومتطلبات التجديد، بقلم عدد من كبار علماء الأزهر، وجاء في مقدمة الكتب المهداة من الأزهر، كتاب «مقالاتٌ في التجديد»، بقلم عدد من الباحثين، ويناقش مباحث مهمة في التجديد، أبرزها؛ تباين الأفهام حول فهم التجديد وكيفية ضبط المصطلح، ميدان التجديد وشروطه وسمات أهله، خطورة الجمود، الحاجة إلى التجديد، أثر الخلط بين مفهوم الاجتهاد ومفهوم التجديد، علاقة الإنسان بالتراث وخطورة تبديده، الدعوة إلى عمارة الأرض وطلب العلم.

ثاني هذه الكتب هو كتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية وضرورات التجديد”، بقلم الدكتور محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء ووزير الأوقاف الأسبق، ويؤكد في افتتاحيته على أن الشريعة الإسلامية شريعة مرنة جمعت بين الأحكام الثابتة، التي لا تتغير أبدًا، والمتغير الذي يقبل الاجتهاد، مشددًا على أنه لا يجوز لأحد أن يتصدر لهذا المقام الرفيع(الاجتهاد) بغير علم ودراية وخبرة، ومعرفة بأحوال الناس وأعرافهم والظروف المحيطة بهم.

وأيضا كتاب “قول في التجديد” للدكتور حسن الشافعي، عضو هيئة كبار العلماء، كأحد أبرز الكتب المهداه لزوار جناح الأزهر، ويشير المؤلف في مقدمته إلى أن التحدي الحقيقي أمام حركات التجديد المعاصرة هو إعداد الكوادر المتمكنة من تراثنا الفقهي والفكري الغني، وإتقان لغته الخاصة، والامتلاء بروحه الحقيقية، ثم الإلمام بالظروف الموضوعية لعرضنا، وتقديم النتاج الصالح المطلوب الآن.

واستغل الأزهر ندواته في معرض الكتاب للحديث أيضا عن نفس القضية، حيث أكد الدكتور محمد الضويني، رئيس أكاديمية الأزهر لتدريب الدعاة، أن الأزهر يعمل على دراسة كافة المستجدات العصرية، بجهود العلماء والفقهاء المتميزين في كافة المجالات، الذين يبذلون الجهد ليقدموا كل ما يفيد في نهضة الأمة وتطورها، من خلال منهج علمي دقيق، يصلح لكل زمان ولكل القضايا.

وأكد الدكتور نظير عياد، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، في مداخلة خلال الندوة، أن الأزهر يقوم بدور ريادي في التجديد والانفتاح على مقتضيات العصر، وأن من بين الركائز المهمة للأزهر هو حرصه على فتح نوافذ الحوار بين رموز وقامات في العلم.

ناجح إبراهيم: تجديد الخطاب يقع بين إفراط وتفريط

من جانبه، قال المفكر الإسلامي الدكتور ناجح إبراهيم إن تجديد الخطاب الديني هو مهمة أهل العلم والدكتور الخشت هو من أهل العلم لعلمه بالضوابط والمعارف اللازمة، غير أن البعض ممن هم من غير أهل التخصص لا يرون في تجديد الخطاب الديني إلا المساواة في الميراث وهم لا يعلمون أن في الميراث 14 حالة تأخذ المراة فيها أكثر من الرجل، ومنهم من يرى أن التجديد لا يكون إلا في نزع المراة حجابها وتسير سافرة، مع أن الراهبات يتحجبن وهو جزء من العفة.

وأوضح إبراهيم في تصريح خاص لـ”الغد”، أن تجديد الخطاب الديني ليس مقصورا على المؤسسات الدينية فحسب بل يشارك فيه الجميع شريطة أن يكون من أهل العلم والتخصص وتوجد بعض الكليات لصيقة الصلة بالدين والشريعة مثل كليات اللغة العربية و الدراسات الإسلامية والفلسفة وغيرها.

وأشار إلى أن التجديد يقع بين أمرين إفراط وتفريط، فريق يرى أن الدين كله ثوابت وهو يتمثل في بعض الحركات الإسلامية وعلى الطرف الأخر غلاة العلمانيين الذين لا يرون في الدين ثواب على الإطلاق ويريدون هدمه بالكلية، مشددا على أن التراث الإسلامي صار مطية لكل الكبوات ويتم تحميله بما لا يحتمل، فمسؤلية التجديد لا تقع علي عاتق الأزهر فحسب بل يشارك فيها كل أهل العلم والفكر.