«تمرد صامت» يهدد بانهيار الإمبراطورية الأمريكية

في تطور غير مسبوق  داخل البيت الأبيض قبيل الصراع داخل حلبة الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، أصدر الرئيس دونالد ترامب تعليمات على شاكلة تعليمات الدول الديكتاتورية من مخلفات العالم الثالث، ويكشف عن حجم صراع من نوع آخر داخل الإمبراطورية الأمريكية من «تمرد صامت».. وقالت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، إن الرئيس ترامب أصدر تعليماته إلى البيت الأبيض لتحديد وإقالة المسئولين في إدارته الذين لا يُنظر إليهم على أنهم موالون بما فيه الكفاية، وهو تصعيد  يقول  عنه مسئولو الإدارة، إنه يعكس مرحلة جديدة من حملة الانتقام وإعادة الهيكلة قبل انتخابات نوفمبر/ تشرين الثاني الرئاسية..

  • وبدأ جوني ماكنتي، مساعد ترامب الشخصي السابق الذي يقود الجهود الآن كمدير لموظفي الرئاسة، بالتمشيط عبر وكالات مختلفة بتفويض من الرئيس ترامب، لإقالة أو تهميش المعينين السياسيين الذين لم يثبتوا ولاءهم ، وتأتي هذه الخطوة في أعقاب عملية المساءلة التي قدم فيها العديد من أعضاء إدارة ترامب شهادة دامغة حول سلوكه فيما يتعلق بأوكرانيا.

 

الإمبراطوريات العملاقة تتحلل عادة من داخلها

هناك حالة من «العداء المستحكم»، لم تحدث من قبل بنفس الدرجة من الاحتقان، بين مكونات المشهد السياسي الأمريكي، وقد ساهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في «صناعة وخلق» تلك الحالة التي أدت إلى  حالة غير مسبوقة داخل المجتمع السياسي الأمريكي، من «تمرد صامت»، بينما تدور تساؤلات حول تدخل مرتقب للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة، لصالح مرشح الحزب الديمقراطي، المعروف بتوجهه الاشتراكي، بيرني ساندرز.

ويرى خبراء في الشئون السياسية والاستراتيجية، أن الإمبراطوريات العملاقة تتحلل عادة من داخلها، قبل أن تقع فريسة لضربات الأعداء من الخارج، والولايات المتحدة الأمريكية دخلت في حقبة أزمات منهجية، حيث لم تعد الأشياء تعمل بنفس الكفاءة التي كانت تعمل بها من قبل، وهو ما ينطبق على النظام السياسي للولايات المتحدة.. ويقول المحلل السياسي الروسي،   ألكسندر نازاروف: حتى وقت قريب، كان هناك ما يشبه الديمقراطية، التي تتحكم فيها «الأموال الكبيرة» من خلال منظمتين تلعبان دور اللوبي لها، هما الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، تختلف البرامج والسياسات فيما بينها اختلافات ميكروسكوبية دقيقة، وفقا للمعايير العالمية، لكنها تخدم في نهاية المطاف نفس السادة..وكان المجتمع الأمريكي يتمتع بالازدهار والرفاهية، مقابل عدم تدخله في السياسة، بينما يحصل كل أربع سنوات على فرصة لتنفيس البخار، والاختيار بين اليد اليمنى أو اليسرى لـ«الأموال الكبيرة»، وإذا لم تتحقق الآمال، يمكن للناخب أن يلوم نفسه على الاختيار الخطأ، ويأمل في الانتخابات المقبلة.

  • وهنا يكمن سبب استقرار النموذج الأمريكي، الذي يعضده ويعززه غسيل المخ الجماعي باستخدام الصحافة والتلفزيون وهوليوود التي تخضع جميعها للسيطرة.

 

«تمرد صامت» داخل المجتمع الأمريكي

الآن، تغير كل شيء، فالاقتصاد الأمريكي يعاني من أزمة، وبدأ «الازدهار» المبني على الديون المتفاقمة، في الانخفاض للمرة الأولى، وبدأ السخط الشعبي يتصاعد تدريجيا بين النخب، ليصل في نهاية الأمر إلى «تمرد صامت» في الانتخابات..وتمرد في البداية المحافظون البيض، الذين يرون أنهم يفقدون الولايات المتحدة الأمريكية التي طالما كانوا يعرفونها في الماضي، القوة العظمى الأولى في العالم، صاحبة الاقتصاد الناجح، والدولة الرأسمالية التي تضم 80-90% من السكان البيض.. يريد هؤلاء العودة إلى الماضي.

 

السكان البيض في الولايات المتحدة يفقدون  أغلبيتهم

اليوم يصل تمرد الشعب إلى النخب القديمة داخل الحزب الديمقراطي، الذي جاء دوره ليعاني من ثورة داخلية في أروقته! فالمرشح بيرني ساندرز، على العكس، هو مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية. فبعد 10 سنوات من الآن، سوف يفقد السكان البيض في الولايات المتحدة أغلبيتهم، بينما تتعاطف الأجيال الجديدة من الأمريكيين، ومعظمهم من غير البيض، وأكثر فقرا من الأجيال السابقة، بدرجة كبيرة مع الأفكار الاشتراكية. واليساري، بيرني ساندرز، هو أكثر من يعبر عن هذه الأفكار والتطلعات.

  • ويرى « ألكسندر نازاروف»، أن النخب القديمة في كلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي، يفقدون السلطة. بل إن النظام شبيه الديمقراطي برمته يعاني من الانهيار، حيث تخلق الأزمة انقساما مجتمعيا، ويظهر بدلا من أوهام الاختيار، مرشحون يختلفون حقا في رؤاهم عن بعضهم البعض، بل ويمتلكون برامج تتناقض مع برامج منافسيهم.

 

لأول مرة.. تواجه أمريكا صراعا سياسيا حقيقيا بين منصات سياسية مختلفة

إنها المرة الأولى منذ عقود، وربما منذ مئات السنين، التي تواجه فيها الولايات المتحدة الأمريكية صراعا سياسيا حقيقيا بين منصات سياسية مختلفة. وكما حدث مع دونالد ترامب، تستخدم النخب تهمة  تدخل بوتين لصالح بيرني ساندرز، الذي يسعى بالفعل لإحداث التغيير.. و «التدخل الروسي» في الانتخابات الأمريكية مجرد ذريعة، وأداة للسيطرة، وروسيا فزاعة مناسبة للغاية داخل المجتمع الأمريكي، الذي نشأت أجياله على الدعاية المناهضة لروسيا.

 

  • في كل الأحوال، تغرق أمريكا في أزمتها، ويجري ذلك كله في إطار تختلط فيه المأساة بالملهاة. مأساة الانهيار على خلفية ملهاة «التدخل الروسي» العبثية بالكامل.. إن انهيار الإمبراطورية لا يحدث بين يوم وليلة، فهو عادة ما يكون مشهدا جليلا.

 

الولايات المتحدة تقف على أبواب التفكك

ويؤكد خبراء استراتيجيون، أن الولايات المتحدة الأمريكية، تقف على أبواب التفكك، مشيرين إلى مؤشرات وشواهد تنبىء بما هو قادم خلال عقدين من الزمان ـ على أكثر تقدير ـ لانشطار الولايات المتحدة على غرار تفكك الاتحاد السوفيتي سابقا، وأن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نفسه، حذر من إمكانية اندلاع حرب أهلية في الولايات المتحدة الأمريكية..ويطرح المحلل السياسي الروسي، ألكسندر نازاروف، تساؤلات تقترب كثيرا من الاحتمال القائم بتفكك الولايات المتحدة : ما هي الأزمة الحقيقية في الولايات المتحدة الأمريكية كنظام ودولة؟ وما هي المشكلات المزعجة التي تؤرقها؟ ويشيير «نازاروف» إلى بعض تلك التحديات والمشكلات.. ومن بينها:

  • المسألة العرقية.. ومنذ فترة طويلة لم يمثل التنوع العرقي والاثني (القومي) في الولايات المتحدة الأمريكية خطرا، بل كان حاجزا منيعا للأزمات، أما اليوم فقد اختلفت الخريطة الديموغرافية للولايات المتحدة الأمريكية، فيوجد المواطنون من ذوي الأصول الإفريقية، وازداد عدد المواطنين من أصول أمريكية لاتينية، ما ينذر بأنهم سيصبحون أغلبية في المستقبل القريب. وجاءت اللحظة التي أصبحت فيها أقلية عرقية معينة، غير بيضاء، تهيمن على مساحة كبيرة من الأراضي.
  • والملاحظة الجديرة بالاهتمام والرصد، على هامش مؤشرات تفكك الولايات المتحدة الأمريكية.. أن النخب الأمريكية تحاول بكل الطرق الوقوف أمام ظهور أحزاب على أساس عرقي، لكن الحزب الديمقراطي يتحول إلى حزب يدافع عن مصالح الأقليات، بينما يجتمع البيض في الحزب الجمهوري، الذي يتحول بدوره إلى حزب عنصري، معاد للأقليات، على حد تعبير البعض. أي أن التفسخ العرقي يتسرب على أية حال إلى النظام السياسي الأمريكي، وسوف يتحول مع مرور الوقت إلى صراع بين أحزاب تمثل في جوهرها صراعا بين مجموعات عرقية مختلفة..
  • والتحدي الثالث، هو غياب الأحزاب السياسية في البلاد، التي تدافع عن مصالح الأقليات العرقية، في الوقت الذي ستصبح فيه هذه الأقليات قريبا أغلبية، بينما لا تملك اللغة الإسبانية، التي تعد اللغة الثانية بعد الإنجليزية، ويتحدث بها عشرات الملايين من المواطنين الأمريكيين، لا تملك وضعا رسميا في البلاد، وتلك مشكلة بكل تأكيد.
  • والنظام السياسي الأمريكي المبني على حزبين، والذي يصدّر وهم الاختيار بين يمين ويسار «الأموال الكبرى»، قد أصبح خارج إطار الزمن، لم يكن هذا النظام ديمقراطيا في يوم من الأيام، وإنما كان يصدّر وهم الديمقراطية ومشاركة الشعب في الاختيار وإدارة البلاد، الشعب الذي يحصل كل 4 سنوات على جرعة من الأمل تكفيه لما تبقى من الزمن حتى الانتخابات المقبلة. لقد فقد الأمريكيون الإيمان بنظامهم السياسي، وهم يرون أن شيئا لا يتغير، بصرف النظر عن تصويتهم، وهذا هو التحدي الأول.

بالطبع لا زالت الولايات المتحدة الأمريكية تحتفظ باحتياطي من الصلادة، ولم تصل التحولات الديموغرافية فيها إلى حدود الخطر بعد، لكن تلك مسألة وقت لا أكثر، وانهيار العولمة والهرم الائتماني سوف يسرّعان من وتيرة تلك التحولات.