ثورة جمال عبد الناصر الثقافية (1952 ــ 1970)

مع بداية الشهور الأولى من ثورة 23 يوليو/ تموز 1952، حرص زعيم الضباط الأحرار ، البكباشي «المقدم» الشاب جمال عبد الناصر حسين (34عاما) على تدشين مرحلة جديدة تماما في تاريخ مصر الطويل، بافتتاح مشاريع نهضة كبرى فى شتى المجالات، الثقافية و الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وخرجت إلى النور المؤسسات والمجالس واللجان والأكاديميات والمعاهد الثقافية والفنية، لتصنع «قوة مصر الناعمة» وتساهم في صياغة وجدان المواطن العربي.

 

 

  • شيد عشرات من المكتبات المتنقله..وكان يطبع كتابا كل ست ساعات..وانشأ وزارة للثقافة..ودشن معرض القاهرة الدولي للكتاب ..انشأ  أكاديمية الفنون، تضم المعاهد العليا للمسرح والسينما والنقد والباليه والأوبرا والموسيقى والفنون الشعبية..وانشأ التليفزيون العربي، و مسرح التليفزيون.. والسيرك القومى..القبه السماويه.. ورعاية الآثار والمتاحف.. وبنى عشرات من قصور الثقافة والمراكز الثقافية الجماهيرية، لتحقيق توزيع ديمقراطي للثقافة، وتعويض مناطق طال حرمانها من ثمرات الإبداع الذي احتكرته مدينة القاهرة..وبنى سبع جامعات..واشأ مؤسسة للسينما تنتج أفلاما من قصص الأدب المصري الأصيل، بعد أن كانت تعتمد على الاقتباس من القصص والأفلام الأجنبية..فسادت مصر الثقافة والفن.

 

 

 

  • البداية فى الحقبة الناصرية كانت فى عام 1956، مع صدور قرار إنشاء المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، كهيئة مستقلة ملحقة بمجلس الوزراء، تسعى إلى تنسيق الجهود الحكومية والأهلية فى ميادين الفنون والآداب، وكان المجلس بهذه الصورة هو الأول من نوعه على المستوى العربى، الأمر الذى دفع العديد من الأقطار العربية إلى أن تحذو حذو مصر وتشكّل مجالس مشابهة، وبعد عامين أصبح المجلس مختصاً كذلك برعاية العلوم الاجتماعية.. وظل المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية يمارس دوره فى الحياة الثقافية والفكرية فى مصر، والذى تغير اسمه بعد عام 1980، ليصبح «المجلس الأعلى للثقافة».

 

 

 

وظل اهتمام الرئيس عبد الناصر، بأهمية الثقافة، وصدر القرار بتشكيل أول وزارة للثقافة في مصر، لتصبح مستقلة بذاتها بعدما كانت جزء ضمن اختصاصات وزير المعارف «التعليم»، فى فترة ما قبل ثورة 1952، وجاء أول ظهور لتلك الوزارة فى حكومة عام 1958، والتى تولاها الدكتور ثروت عكاشة تحت مسمى وزير الثقافة والإرشاد القومى، ليكون أول شخص يتولى مهام الوزارة فى تاريخها، ومنذ ذلك اليوم أصبحت الوزارة المسئولة عن وضع الخطط والرؤى الخاصة، بالثقافة المصرية، والحفاظ على التراث ورعاية مكتسباته الإبداعية، والعمل على تطوير والنهوض بالفكر والأدب والفن المصرى.

 

 

  • وفى كتابه «مذكراتى مع السياسة والثقافة»، يكشف الدكتور ثروت عكاشة ـ أحد أبرز الضباط الأحرار ـ عن كواليس توليه  حقيبة وزارة الثقافة، ورؤية الزعيم الراحل عبد الناصر، موضحا أن «ناصر» كانت لديه رغبة فى أن تصبح الثقافة والفنون الراقية فى متناول الجماهير العريضة وأن تخرج من أسوار القاهرة والإسكندرية، لتبلغ القرى والنجوع، حتى يبزغ فنانين جدد من تلك القرى البعيدة، يعكسون فى إبداعتهم أصالتهم الحضارية، وأن فترة عمل «عكاشة» فى السلك الدبلوماسى كانت من ضمن اعتبارات «ناصر» كى يطلع الرجل على الثقافة والفنون هناك ويستطيع التعايش مع التجارب العالمية فى ذلك، كى يثرى بها الثقافة فى مصر.

 

 

 

 

من بعد وزارة الثقافة، كانت هناك ثورة أخرى تخص السينما والمسرح وباقى الفنون، قتم إنشاء مصلحة السينما، لكى تكون نواة فنية تحيط بعناية فنون المسرح والسينما والفنون التشكيلية، إضافة إلى ذلك تم تأسيس إدارت عامة للثقافة والنشر، ومركز الفنون الشعبية والجماهيرية، الذى كان نواة فيما بعد لإنشاء الهيئة العامة لقصور الثقافة، للعمل على خلق مساحة إبداعية ثقافية تجمع الأجيال المختلفة من المصريين والعرب من المثقفين والمبدعين.

 

 

من ضمن أهم المشاريع الثقافية أيضا التى بدأت فى عهد الزعيم الراحل، كان مشروع الألف كتاب الذى صدر فى عام1955، بإشراف الإدارة العامة للثقافة، قسم الترجمة.. ومشروع الألف كتاب التابعة لوزارة التعليم العالى، وتبع ذلك اجتماع فى شهر يناير/كانون الثاني 1956 الذى عقدته الإدارة العامة للثقافة لتوزيع قوائم كتب الألف كتاب التى تم اختيارها على الناشرين.. المشروع ـ والذى توقف بعد رحيل عبد الناصرـ كان نواة لبداية سلاسل ومراكز الترجمة الكبرى مثل سلسلة الجوائز والمركز القومى للترجمة وسلسلة آفاق عالمية.

 

 

 

 

  • وكان أنطلاق معرض القاهرة الدولى للكتاب  ـ قبل رحيل عبد الناصر بعام واحد ـ  وهو أكبر معارض الكتاب فى الوطن العربى والشرق الأوسط، وأحد أكبر 10 معارض على مستوى العالم، والذى بدأ عام 1969، بقرار من وزير الثقافة آنذاك ثروت عكاشة وإشراف من الكاتبة الكبيرة الرحلة سهير القلماوى.