جمال زقوت يكتب: هل تصل الحرب إلى نهايتها؟

جمال زقوت

هذا السؤال يلخص ويكشف أهداف الحرب المباشرة وغير المباشرة، وما رافقها من فظائع وحشية، وجرائم تصل إلى حد الإبادة الجماعية، ويبدو أن قدرة جيش الاحتلال على تحقيق مزيد من الأهداف العسكرية باتت أمام حائط مسدود. فاعتقاد قادة حكومة الاحتلال أن مقاتلي المقاومة سيخرجون رافعين أيديهم ومستسلمين لم يتحقق، وكما أكد الحليف الأكبر لإسرائيل وزير خارجية واشنطن في جولته الأخيرة بأنه لن يحدث. وبهذا المعنى، فإن الحرب ببعديها العسكري والسياسي قد وضعت أوزارها، ولم يتبق منها سوى عار الجريمة المفتوحة ضد الإنسانية، ويبقى الهدف الحقيقي للحرب متمثلًا في جريمة التهجير الجماعي التي تمارسها حكومة الاحتلال منذ اليوم الأول للحرب وحتى اليوم وعلى نطاق واسع ما زال، وربما سيظل، قائمًا.

ومن الواضح أن حكومة الائتلاف اليميني الأكثر تطرفًا بزعامة نتنياهو تسعى لتحويل جرائمها في سياق الحرب الانتقامية غير المسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، إلى مكاسب سياسية في مسار محاولاتها لتصفية القضية الفلسطينية، وعلينا أن ندرك أنه على طبيعة النتائج السياسية لهذه الحرب سيتوقف ما إذا كان المشروع الصهيوني سيواصل التقدم لتصفية القضية الفلسطينية، أم سيدخل في مرحلة نكوص طويلة الأمد نحو دحر الاحتلال وربما بداية تفكك المشروع العنصري الكولونيالي.

استراتيجية حكومات الاحتلال المتعاقبة على مدار سنوات تمثلت في تعميق الانقسام وترسيخ العطب الذي ولده في الكيانية الوطنية ومؤسساتها الجامعة، والاستثمار الإسرائيلي في هذه الاستراتيجية هو الذي شجعها على المضي في مخطط الضم والتهويد، وما يستدعيه ذلك من محاولات عزل غزة، وتقويض السلطة من خلال تفريغها من مضمونها الوطني. وقد جاء انفجار السابع من أكتوبر ليطيح بهذه الاستراتيجية، ويعيد غزة كما كانت دومًا إلى قلب الوطنية الفلسطينية، ورافعة للمشروع الوطني التحرري. وبمجرد مراجعة عاجلة للحالة الفلسطينية حتى السادس من أكتوبر، يمكن لنا رؤية المدى الذي كان قد وصل إليه تهميش القضية الفلسطينية على الصعيدين الإقليمي والدولي، الأمر الذي شجع حكومة الضم والاستيطان على المضي قدمًا بمخططاتها لتصفية الحقوق الوطنية لشعبنا.

لقد أثخنت الحرب جراحًا كارثية عميقة في بنية المجتمع الغزي، على جميع الأصعدة البشرية والإنسانية والاجتماعية، كما أدت وما زالت تؤدي إلى تدمير واجتثاث كل مصادر الحياة فيه. وعلينا أن ندرك أن قدرة الناس على تحمل هذه الكارثة وامتصاص آثارها يستدعي إمساك الخيط الرفيع، ولكنه الأكثر وضوحًا في هذه الحرب الانتقامية، وأهدافها الاستراتيجية المتمثلة في التصفية عبر التهجير، فما تخطط له إسرائيل حتى في حال التوصل إلى اتفاق حول ما يسمى بالهدن الممتدة أو وقف إطلاق النار يرتكز أساسًا إلى إغراق القطاع في دماء أطفاله ونسائه ورجاله وفي عتمة دمار بيوته، ومصادرة قدرته على استعادة مصادر الحياة فيه. وبالتأكيد فإنه لتحقيق هذه الأهداف، سيعمل أساسًا على تعطيل ما يعرف بعملية إعادة الإعمار وإعاقة دخول مواد الإعمار بالسيطرة على معبر رفح أو التحكم في طبيعة حركة البضائع من خلاله، في محاولة لمنع المجتمع الغزي من القدرة على استرداد مصادر الحياة فيه، والتي تعرضت لجريمة إبادة شاملة على كل الأصعدة.

وفي هذا السياق، ليس من المبالغة القول بأن الحرب الحقيقية هي التي ستلي وقف إطلاق النار، وحتى يتمكن شعبنا ومعه شعوب ودول العالم من المساندة لحقه في البقاء على أرضه وتقرير مصيره عليها، وفي إنجاز عملية إعادة الإعمار ليس فقط بالمعني المباشر للكلمة بما يعنيه بناء المؤسسات والمرافق الصحية والتعليمية والبيوت وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق وغيرها، بل بالمعنى السياسي الاجتماعي الاقتصادي، لكي أولًا تستعيد غزة وتضحياتها مكانتها مجددًا كنموذج وطني للصمود، وليس مجرد «مندبة» يتم فيها لوم الضحية، بل ولإهالة التراب على حالة الانقسام التي عانت منها الحركة الوطنية ونظامها السياسي المتآكل.

إن النجاح في مهمة إعادة إعمار القطاع يتطلب أولًا وقبل كل شيء التقدم بخطوات عاجلة لإعادة بناء النظام السياسي على أسس محددة تتكامل فيها مهام التحرر الوطني لدحر الاحتلال، مع متطلبات البناء الديمقراطي الكفيلة باستنهاض طاقات المجتمع في هذه العملية المعقدة التي فُرضت على شعبنا منذ تأسيس سلطته الوطنية قبل إنهاء الاحتلال ونيل السيادة والاستقلال. إن تحقيق مثل هذه الرؤية المغيبة في العلاقات الوطنية منذ نشوء السلطة الوطنية، يتطلب استخلاص دروس فشل مسار التسوية، وما رافقها من استقطابات وإقصاء وتهميش في دور الحركة الوطنية، والصراع  المدمر على «القرار الوطني والشرعية» من خلال سياسات التفرد والإقصاء أو وهم البدائل، والتي أدت إلى ما وصلنا إليه من انقسام، والأخطر من تهميش الحركة الجماهيرية، وما ولده من عزلة غير مسبوقة للحركة الوطنية وانكفائها حتى عن مبرر وجودها.

حركة حماس تدرك أنه على مدى القدرة الوطنية للنهوض بمهام إعادة الإعمار تتوقف إمكانية تحويل الصمود العسكرى إلى إنجازات سياسية، وأنه دون ذلك ربما يتم تفريع هذه الإنجازات، ودفع الناس نحو الوقوع في براثن مخططات التهجير التي لن تسلم منها الضفة الغربية، حيث جوهر المشروع الكولونيالي العنصري. والسؤال: هل القيادة المتنفذة تدرك هذه المسألة، أم أنها ستستمر في سياسة التشفي بخصومها، وبتصفية الحسابات، بما في ذلك الإمعان في المضي قدمًا في استراتيجية استرضاء العدو، وما يقوم به من محاولات هندسة النظام السياسي الفلسطيني على حساب الحاجة إلى الوحدة والتوافق والعودة إلى صندوق الاقتراع.

وربما من المبكر الخوض في مراجعة دروس هذه الحرب وتداعياتها الميدانية والسياسية، ولكن المؤكد أنه دون استنهاض القدرة الكلية لشعبنا في سياق مؤسسات وطنية جامعة، ستظل الحركة الوطنية في حالة اغتراب، وانعدام ثقة الناس بها، فبعد ثلاثين عامًا نعود إلى مربع ضرورة الحاجة إلى تشخيص علمي ودقيق لطبيعة المرحلة، وما تستدعيه من متطلبات بلورة استراتيجية كفاحية للتحرر الوطني والبناء الديمقراطي، وفي كل الأحوال من خلال تعزيز قدرة المنظمة على التمثيل الشامل وقيادة النضال الوطني، وإعادة بناء مضمون دور السلطة ومؤسساتها في خدمة مهمات التحرر الوطني وما يتطلبه من تعزيز الصمود الشعبي والوطني، واستنهاض أوسع مشاركة شعبية لإنهاء ودحر أطول وأبشع احتلال في التاريخ المعاصر. نحن أمام مفترق طرق يتطلب إرادة سياسية لمغادرة المصالح الأنانية والفئوية والمزاجية التي تتناقض مع المصالح الوطنية العليا لشعبنا، وتوحيد الكل الفلسطيني في إطار مؤسسات الوطنية الجامعة لاستكمال إنجاز عملية التحرر الوطني والبناء الديمقراطي وفق أسس العدالة الاجتماعية والمشاركة الشعبية والسياسية والحكم الرشيد.

[covid19-ultimate-card region=”EG” region-name=”مصر” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”AE” region-name=”الإمارات العربية المتحدة” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region=”PS” region-name=”فلسطين” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]

[covid19-ultimate-card region-name=”العالم” confirmed-label=”اجمالي الحالات” confirmed-24h=”true” confirmed-24h-label=”الحالات الجديدة” deaths-label=”اجمالي الوفيات” deaths-24h=”true” deaths-24h-label=”الوفيات الجديدة” deaths-rate=”true” deaths-rate-label=”نسبة الوفيات” recovered-label=”المتعافون” active-label=”حالات تحت العلاج” font-color=”#ffffff” bg-color=”#0c3278″ bg-position=”right” rtl=”true” last-update=”Y-m-d H:i” last-update-label=”تم تحديث البيانات في :”]