جهاد طملية يكتب: لكي لا يكون مصير فتح مشابهًا لمصير حزب العمل الإسرائيلي

يخشى الكثير من الفتحاويين، أن تلقى حركتهم مصير حزب العمل الإسرائيلي، الذي ساهم مؤسسوه في بناء دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو الذي تأسس في عام 1968م بعد اندماج أحزاب (مباي وأحدوت هعفودا – بوعالي تسيون ورافي)، وتمكن حزب العمل من الاحتفاظ بالحكم من عام 1968م – 1977م، على قاعدة المشاركة بينه وبين حزب (مبام) تحت عنوان (التجمع العمالي – المعراخ)
لكنه خسر الحكم في انتخابات الكنيست التاسعة في عام 1977م، لصالح حزب الليكود بقيادة “مناحم بيغين” وحصل في انتخابات عام 2019م على ستة مقاعد من أصل 120 مقعداً من مقاعد الكنسيت، بعد أن كان يحصل لوحده على 49 مقعداً بدءاً من عام 1969م، حيث حصل في انتخابات الكنيست الحادية عشرة عام 1984م على 38 مقعداً، وفي انتخابات الكنيست الثالثة عشرة عام 1992م على 44 مقعداً، وفي انتخابات الكنيست الخامسة عشرة على 23 مقعداً، وفي انتخابات عام 2019م حصل على ستة مقاعد كم أشرنا.
يستنتج من تجربة حزب العمل، بأن أسبقية المبادرة إلى العمل السياسي العام، لا تحصن القوى والأحزاب السياسية من احتمالية ضمورها وتأكلها وفقدانها لأغلبيتها البرلمانية كقوى مفضلة لدى الجماهير، وهذه حقيقة أخبرنا بوجودها “ابن خلدون” من قبل، ومفادها أن الدولة وكذا الأحزاب والكيانات السياسية والاجتماعية، تمر في حياتها بذات المراحل التي يمر بها الكائن الحي، وهي: (الولادة – الطفولة – الشباب – الكهولة – وأخيراً الموت)؛ لكن التاريخ قدم لنا بالمقابل العديد من التجارب التي تمكنت في نهايتها الدول من تجاوز تحديات اندثارها وعاشت ما عاشت من عمرها المقدر.
وهذا تحدي يتطلب اجتيازه العديد من المقومات الواجب توفرها في تلك الدول، وهي مقومات يجب أن تتمتع بها قواها الاجتماعية وحركاتها السياسية الفاعلة، فنجاح الدول وتجنبها للفشل، أمر مقترن بامتلاك تلك الأحزاب لبرامج اجتماعية وسياسية واجتماعية جامعة ومُحدثة، تحاكي احتياجات البقاء والاستدامة، وتستجيب بحديها الأدنى والأقصى للتحديات الوافدة من المستقبل، وتطيل من عمر دولتها.

اليوم وبعد مرور عقد كامل على اندلاع نيران الخصومة في شطري الوطن بين حماس وفتح، ومن ثم داخل فتح نفسها، نرى الجميع قد خسروا ما كسبت أيديهم، بعد أن خسر الوطن ما خسره.
فاليوم لا رابحون في فلسطين، لأن الجميع خسروا أنفسهم وكذا برامجهم وماضيهم ولربما مستقبلهم؛ إن لم يتداع الجميع لاستدراك الخطر المحدق بالوطن من جهاته الأربعة، لكن خسارة فتح ستكون الأعظم لأنها استحوذت على تأييد السواد الأعظم من جماهير شعبنا ومن المؤكد أنها ستخسره أيضاً.
ففتح مطالبة قبل غيرها بمباشرة العمل لترميم بيتها الداخلي لتتمكن من استرداد نفسها ومن ثم وطنها، واستكمال المهام العظام التي نصت عليها برامجها الوطنية والثورية، ووقف العمل باستراتيجة الانكفاء الى الداخل، والاكتفاء بالموجود من برامج وعناصر وأعضاء، ووضع حد لسياسة الفصل ، ووقف رواتب المناضلين ، وتهميش خيرة كوادر الحركه ، وتهميش الساحات الخارجيّة تحت مبرّراتٍ عديدةٍ، كالحدّ من الإنفاق ومركزة العملِ في الضّفة المحتلّة، والاكتفاء بها كمجالٍ حيويٍّ لأجندةِ العمل الفتحاويّ، وهذا -على أيّ حالٍ- تصرفٌ انكفائيٌّ لا يستقيم مع ماضي فتح ولا مع دورها المأمولِ مستقبلاً ولا مع التّوصياتِ النّظريّة لمؤتمراتها العامة.
وهذه منهجية عمل مقصودة جمدت برامج الحركة ومنعتها من التجدد، وكأن الزمن توقف عند جيل بعينه بفكره ورؤيته وتصوراته للعمل الداخلي وللتعامل مع المحتل وبناء الوطن.
وللخروج من هذه الحالة يجب على قيادة فتح إطلاق أكبر عملية لملمة للصفوف، وأعمق حالة مصالحة داخلية، يكون عنوانها إعادة المفصولين للحركة وفي مقدمتهم الأخ القائد “محمد دحلان”، وإعادة الاعتبار لمن طالتهم إجراءات التهميش والكراهية والبغضاء؛ وتوزيع الواجبات والأدوار وفقاً لما تقتضيه مصلحة الحركة الجامعة، وتطبيق قرارات المؤتمرات الحركية بشكلٍ كاملٍ، وفي مقدمتها:

  • تصليب وحدةِ الحركة التنظيمية والسياسيّة، وإعادة بنائها وتفعيلها وتوحيدها، والعمل على تطوير منظمة التحرير الفلسطينية، وتوسيع نطاق مُقاومة المحتل الإسرائيلي باستخدام كلّ السُّبل والطُّرق المشروعة، والعملُ على استعادةِ الدّعم الجماهيريّ للحركة بالعودةِ، واستعادةِ الخطّ النّضاليّ لتحقيق السّلام العادل.
  • والتّأكيد على استمرار حركتنا كحركةِ تحررٍ وطنيٍّ لا تتخلّى عن مقاومةِ الاحتلالِ، والحفاظ على النّقاء الثوريّ الذي ميّزَ الحركةَ عند انطلاقِها، والحرص على أخلاقياتِ أبناءِ الحركةِ وسلوكِهم في التّعاملِ داخل الحركةِ ومع الجماهير، وبالتّأكيد قيم الالتزام والمحاسبة، والعدالة، وتكريس الالتزام بعقليّة المؤسسةِ الواحدةِ وتجديدِ “قانون المحبة” في التّعامل بين أبناء الحركة للحفاظ على وحدتها.
    وتصليب البناء الحركيّ بتفعيل نظام التّنسيب وفقَ النّظام الأساسيّ، وإنهاء ظاهرة الكادر غير المؤطّر تنظيميًا، وإيجادُ صيغٍ أكثر فاعليّةٍ لتأطير العسكريين، وتوسيع قاعدةِ المشاركةِ في اتّخاذ القرار الفتحاوي، وممارسة الحوارِ الديمقراطيّ الإيجابيّ داخل الأطر.
  • والعمل على تعميق مقاصد الالتزام بالتّربية النّضاليّة والاستعدادُ الدّائمُ للانخراطِ في مُقاومةِ الاحتلال، والتّضحية، والاستمرار في تعبئةِ كوادر الحركةِ وجماهيرها .
  • وتجسيد وحدةِ الحركةِ بين الداخلِ والخارجِ، وبين الضّفةِ والقِطاع، وبين شبابِ الحركةِ وشيوخِها.
  • وإعادةِ بناءِ النّظام الماليّ في الحركة بما يضمنُ الشّفافيّة ويُتيحُ للحركة فرصةَ الاطلاعِ والرّقابةِ والمُحاسبةِ من خلالِ تطويرِ المفوّضيّةِ الماليّةِ، وتوحيدِ مراكزِ الصّرفِ والتّمويلِ، والتّقدم بتقاريرَ ماليّةٍ دوريّةٍ أمامَ المجلسِ الثّوريّ والمُؤتمرِ العام.
  • والعمل على تجديدُ شبابِ الحركةِ، والتّعاون بين الأجيال، والعمل على جسر الهوة، ومد جُسور العلاقة بين الكوادرِ الشابّةِ وبين الأجيالِ التي أسّست الحركة، إعادةُ هيكلةِ وتفعيلِ الشّبيبة الفتحاويّة، والعمل على تنميةُ دورِ المرأةِ.

 

وبغير ذلك ستجد الحركة نفسها في مكان وجماهير شعبنا واحرار الحركه في مكان آخر.. وسيكون مصيرها بالتأكيد كمصير حزب العمل بإسرائيل.

 

*الكاتب نائب في المجلس التشريعي الفلسطيني