جهاد عبد الكريم ملكة يكتب: معركة الدمى والانتصار الوهمي

 

وأخيرا وبعد ثمانية أيام من الانتظار للرد الذي وعد به الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، جاء الرد الموعود حيث أعلن حزب الله أنه عند الساعة الرابعة والربع من بعد ظهر أمس (الأول من أيلول 2019)، قامت مجموعة الشهيدين حسن زبيب وياسر ضاهر بتدمير آلية عسكرية عند طريق ثكنة “أفيفيم” وقتل وجرح من فيها ومهاجمة موقع “أفيفيم” العسكري التابع للجيش الإسرائيلي على الحدود مع لبنان الذي تم إخلاؤه من قبل.

كان الجميع ينتظر الرد الساحق الماحق إلا أن الرد خيب جميع الآمال التي بنيت عليه فلم تدم المعركة الا ساعتين ولم يصب بها أحد، Hما الإصابات التي أعلن عنها حزب الله في جنود الاحتلال tسرعان ما أُكتشفت أنها كانت تمثيلية وعملية خداع من الاحتلال لحزب الله ليعتقد أنه أصاب جنودh اسرائيليين. المناورة الإسرائيلية بدأت بعد أن نصبت إسرائيل خديعة لحزب الله وأوهمته أنه دمر آلية عسكرية مأهولة وانه أصاب جنودا، وبعدها بدقائق هرعت إلى المنطقة طائرة مروحية واوهمت حزب الله الذي كان يراقب المشهد أنها أخلت مصابين واكتمل المشهد في المستشفى والطواقم الطبية تستقبل “المصابين الوهميين” وبذلك تكون الصورة وصلت لحزب الله ويُرضي قاعدته الشعبية بأنه قام بالرد المطلوب وتنتهي القصة.

أول رد فعل إسرائيلي على الخدعة:

حيث علق وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس على عملية الخداع التي قام بها الجيش الإسرائيلي أمس بأن هذه “تكتيكات عسكرية وحرب نفسية وان سياسة دولة الاحتلال واضحة بعدم السماح لإيران أن تتموضع في سوريا ولن تسمح بمشروع الصواريخ الدقيقة، وأن نصر الله أثبت مرة أخرى أنه دمية إيرانية”. وذلك بعد أن دار جدل كبير في اين وكيف سيرد حزب الله ضد إسرائيل وانتظر الجميع الرد على هجوم الطائرتين المسيرتين الاسرائيليتين اللتان انفجرتا داخل أحد مقرات حزب الله في الضاحية الجنوبية في لبنان.

إسرائيل اخذت التهديدات على محمل الجد وسحبت كل جنودها عن الحدود واختفوا عن الأنظار واعتمدت القناصة ولم تتحرك أي دورية، وكثفوا الحراسة على المستوطنات وزادوا من جهوزية الدفاع الجوي لأسراب الطائرات ورفعت التأهب في سلاح الجو لاحتمالية ان تتدهور الأمور ومنعت الإجازات في خمس ألوية قتالية واستنفرت في مجال البحرية تحسبا من أن يكون الهدف الذي سيختاره حزب الله بحري أو بئر غاز او سفينة شحن وما إلى ذلك. بل ووضعوا دميا بلاستيكية في آليات عسكرية مسيرة من اجل ايهام حزب الله بأنها دورية وبها جنود ويقوم الحزب بضرب الدمى ويعلن انتصاره وتنتهي القصة ويعود كل الى وضعه الطبيعي إلا ان الحزب اكتشف اللعبة في الأيام الأولى ولكن للأسف لم يكتشف نفس اللعبة بالأمس ووقع ضحية أكبر عملية خداع منذ صراعه مع إسرائيل. وفي الحقيقة أن حزب الله وقع في كمين الاليات الوهمية المسيرة عن بعد، بعد أن ألقت إسرائيل له الطعم بإحكام ولو لم يكن هناك جهد استخباراتي واختراق أمني كبير لم تنجح إسرائيل في هذا الكمين، وكانت إسرائيل تعرف ما يريده حزب الله من رد، وطبيعة ونوعية ومعرفة المكان والوقت الذي حدده الحزب للتنفيذ، وأخيرا معرفة الهدف من الرد وحجم الرد وهل عملية واحدة ام عملية مركبة، وهذا مؤشر خطير لمستقبل الصراع بين الحزب وإسرائيل!..

إن قيمة الجندي وقيمة العنصر البشري عند إسرائيل عالية جدا وقد تسقط حكومات إذا ما حدث ان قتل عدد قليل وتبين ان مقتلهم كان نتيجة اهمال او تراخي في الإجراءات المتخذة لحمايتهم، لذلك اجتهدت إسرائيل في أن يكون رد حزب الله على هجماتها خفيفا لدرجة أنها اخلت كل مواقعها على الحدود واستخدمت عمليات الخداع كي لا يصاب أحد من جنودها.

هل هذه الجولة انتهت عند هذا الحد؟

من خلال معرفتنا بسياسات رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو السابقة وفي تجربة غزة مثلا كان السقف عالياُ الا انه ما يلبث  وان ينتهي الرد بعدة ضربات لا تحدث خسائر بشرية وذلك خوفا من التصعيد والانجرار الى مواجهة غير محسوبة قد تنهي مستقبله السياسي وتؤدي به للسجنK خاصة انه متهم بقضايا فساد ومهدد بالذهاب للسجن.

نتنياهو أعلن أن لا خسائر لدى إسرائيل وهو يعني بذلك أن إسرائيل اكتفت بردها على حزب الله، وأوهم حزب الله بأنه قد حقق هدفه بأن أربكت إسرائيل وجعلتها فعلا تقف على قدم ونصف طيلة ثمانية أيام كما نصحهم حسن نصر الله، وأخلى هذه المستوطنات واشاع جواً من التوتر وعملياً نفذ تهديده وأعاد الاعتبار للحزب وHمينه وهو حقق والتزم بوعيده. وبذلك تكون قواعد الاشتباك بين حزب الله وإسرائيل لم تتغير ولم يخرقها أي من طرفي النزاع.

هل من ضمانات لعدم التصعيد؟

الضمانات هي ضمانات دبلوماسية حيث منذ وقوع حدث تفجير المسيرتين على أحد معاقل حزب الله أجريت عدة اتصالات دولية وإقليمية بين وزير الخارجية الأمريكي وبين رئيس الحكومة اللبنانية او رئيس حكومة إسرائيل لتدارك تداعيات التصعيد كما تدخلت كل من روسيا وفرنسا في تهدئة الأجواء وعدم التصعيد وتم الاتفاق في الأمم المتحدة بتمرير التمديد لقرار 1701 لوجود قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة –يونيفيل- في نفس الدور وعدم تغيير مهام “اليونيفيل” أنهى أي احتمال للرد أو احتمال التصعيد في المواقف مستقبلا.

*كاتب ومحلل سياسي