حافظ البرغوثي يكتب: الإرث التركي القمعي.. والخلافة بلا حج

 

كنت مع مجموعة من المساحين لمسح أراضي غربي رام الله في منطقة صخرية جرداء وحصينة، وقيل إن هذه الجبال كانت ملجأ للفارين من التجنيد الإجباري العثماني،   فقد كان من يجنده الأتراك يرسلونه الى شرق أوروبا، ويعتبر ميتا، فقلة منهم عادوا الى بلادهم. وكانت السياسة التركية تقضي بتجنيد الشبان العرب وإرسالهم الى الحرب في أوروبا، بينما تنشر جنودا أتراكا في البلاد العربية لتثبيت الحكم التركي وملاحقة المعارضين وجمع الضرائب.

وكان الحكم إقطاعيا بحيث يتولى الإقطاعي الذي يدفع الضرائب ويجمعها حكم مدن أو مجموعة من القرى بأمر من والي دمشق، ومن يفر من التجنيد يلاحق من الأتراك.. وكان هناك في قريتنا ديرغسانة شمال غربي رام الله اقطاعية أو مشيخة يحكمها والقرى المجاورة شيخ يتولى مهمة جمع الضرائب واختيار المجندين، وبالطبع كان كل الإقطاعيين من الظالمين، لأنهم يمثلون حكما ظالما، وكان الأجداد يتحدثون عن السنوات العجاف في ظل الحكم التركي، أحدهم جدي الذي اقتيد للتجنيد شابا الى دمشق، وهناك مرض وأدخل المستشفى، وتمكن  من الفرار وعاد من دمشق سيرا على الأقدام عبر حوران والجليل. وروى كيف كان يرى الناس يبحثون عن حب الشعير في روث الدواب ويأكلون قشر البطيخ بسبب المجاعة والقحط  والضرائب  في تلك الفترة؟. ويروى أن إقطاعي منطقتنا عندما طلب منه تقديم خمسين مجندا احتار لأنه يعرف كل سكان المنطقة، ولا يريد التضحية بشبابها، وبعد تفكير أمر مساعديه بملاحقة النور”الغجر” في المنطقة، وجاءوا له بخمسين شابا من النور فسلمهم للأتراك.

وقد كان هناك تمييز في الجيش التركي بين العربي والتركي، حيث كان هناك ضابط تموين من قريتنا، ولما عاد أثناء الحرب العالمية الأولى في إجازة بعد هزيمة الأتراك في غزة تذمر له البعض من أن جنديا تركيا تحرش بإحدى البنات، فاستدعاه وأنبه وضربه كفا، فكان من الجنود الأتراك أن اعتقلوا الضابط، ثم انسحب الأتراك نحو القرى الى الشمال المجاور ضمن خط دفاعهم الذي امتد من يافا الى رأس العين مرورا بالضفة نحو نهر الأردن حتى الزرقاء في شرق الأردن واستولى الإنجليز على قريتنا وتبادلوا القصف المدفعي مع الترك عبر الوادي الفاصل، وتمكن الضابط من الفرار بمساعدة ضابط ألماني مع الأتراك لأنه كان يتقن الألمانية التي درسها في بيروت. المهم أن الإنجليز زحفوا بعد سيطرتهم على يافا نحو منطقتنا، ودارت المعركة الفاصلة في مرج بين كفر الديك ورافات، وانتصر الإنجليز وانسحب الأتراك وأقام الإنجليز لاحقا نصبا تذكاريا مازال قائما تخليدا للمعركة. لكن الحق يقال كما روى أحد الأعمام وكان طفلا أن الأتراك قاتلوا بشراسة، وعندما نفذ رصاصهم هبطوا نحو الإنجليز بالسكاكين وهم يصرخون. وما زال منقبو الآثار يبحثون عن الذهب التركي الذي يقال إنهم تركوه في مخابىء على إمتداد خط دفاعهم.

أسوق هذه المقدمة بعد أن قرأت تصريحا للرئيس التركي أردوغان يتحدث فيه عن أن دعمه لتيار من المسلحين في ليبيا يأتي إنطلاقا من أن ليبيا إرث لأجداده، وأن الوجود التركي في سوريا وليبيا من أجل حقهم وحق إخوانهم في المستقبل، وكان مجلس النواب الليبي استنكر بشدة ما ورد في كلمة الرئيس التركي في افتتاح منتدى “تي آر تي” بمدينة إسطنبول.

وقال مجلس النواب في بيان له: إن أردوغان اعتبر ”ليبيا إرث أجداده، وجغرافيتها جزءًا من الإمبراطورية العثمانية، وكأنه بهذه المغالطة التاريخية يسعى لتبرير دعمه للجماعات المتشددة والميليشيات والعصابات المسلحة المسيطرة على العاصمة طرابلس”.

واعتبر البرلمان الليبي أن “الرئيس التركي نسي أو تناسى أن إرث أجداده في ليبيا، إرث بغيض من القهر والتعسف والظلم انتهى بترك الليبيين لمصيرهم في معاهدة لوزان 1912 والتي بموجبها سلمت تركيا ليبيا لإيطاليا الفاشية لتدخل ليبيا مرحلة أخرى من مراحل الاستعمار” .

النظام التركي الآن يعتمد على الجماعات المسلحة في ليبيا وسوريا وعمادها جماعة الإخوان المسلمين في التدخل في الأقطار العربية، وما زال أنصار تركيا من جماعة الإخوان يتغنون بالدولة التركية ويسمونها “خلافة”، مع أن أيا من سلاطين العثمانيين وعددههم قرابة سبعين سلطانا لم يؤد فريضة الحج (!!). ويقوم هؤلاء بالدور الذي لعبه حاكم دمشق خاير بك في معركة مرج دابق سنة 1516 بين جيش مصر والشام تحت قيادة قانصوة الغوري والسلطان سليم الأول، حيث انتصر جيش المماليك على الأتراك في بداية المعركة، لكن سرعان ما انضم حاكم دمشق خاير بك الى الجيش التركي تحت إغراء مكافأة من الذهب، فانهزم الجيش الشامي المصري ودخلت بعدها الأقطار العربية في غيبوبة لأكثر من أربعة قرون. فكم من أمثال خاير بك  بيننا الذين انضموا للترك والفرس والروم ضد عروبتهم الآن!