حافظ البرغوثي يكتب: انحطاط الوعي القومي واغتيال سليماني

أظهرت ردودالفعل على إغتيال  قاسم سليماني في بغداد من قبل القوات الأمريكية حالة التشظي عربيا.. بين مناذرة وغساسنة.. بين التبعية للغرب ـ  بيزنطة سابقا ـ والتبعية لإيران ـ الإمبراطورية الساسانية سابقا.. فالمعركة عمليا بين غزاة إيرانيين للعراق وغزاة أمريكيين كانوا حلفاء في وقت مضى في تدمير العراق وسرقته ثم اختلفوا مؤخرا، أي وجود إنحطاط في الوعي القومي العربي.

ولعل من راقب التصريحات الرسمية عربيا والحزبية يلمس ذلك، وكذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن ليس هناك مصلحة عربية، بينما   الأحداث تجري على أرض عربية. في غزة كان هناك أطفال يوزعون الحلوى ابتهاجا باغتيال سليماني، بينما على مقربة منهم أقامت بعض الفصائل الموالية لإيران خيمة عزاء، لكن هذه الفصائل رفعت العلم الفلسطيني على خيمتها، ولم تجاهر برفع راياتها، حيث اعتادت على تغييب العلم الفلسطيني وكأنها تريد اضفاء طابعا شعبيا فلسطينيا على العزاء، وهو ليس كذلك.

على الصعيد العربي وجدنا قوى موالية أصلا لإيران، تقيم لطميات على  سليماني الذي عرف بكرهه للعرب ووصفهم في سابق السنوات بأنهم اناس من الصحاري وسيقاتل حتى لا يبقى شبر تحت أيديهم. فالرجل كان مدفوعا بعصبية فارسية واضحة، وأشرف على قتال العرب للعرب في العراق وسوريا، وأمسك عن تكرار ذلك في لبنان بعد الثورة الشعبية هناك، لأن الوضع اللبناني لا يتحمل قتل المتظاهرين كما في العراق، ولا يتحمل اغتيال النشطاء واختطافهم كما في العراق، ولا يتحمل توطين إيرانيين في منازل السنة كما حدث في العراق وسوريا.

ما حدث في مطار بغداد كان دوما في متناول أمريكا، حيث تتولى شركتان أمنيتان، أمريكية وبريطانية، مهمات أمنية فيه وبالتالي على دراية بمن يصل، فليس في الأمر أسرار خطيرة. لكن كثرة التهديدات من إيران وأتباعها بالانتقام لا يبدو أنها ستتجسد لأن واشنطن لن تدخل مواجهة مع إيران فكل رئيس أمريكي منذ كارتر حتى الآن هدد وتوعد ولم ينفذ، وإيران ليست في وارد مواجهة عسكرية، وأغلب الظن أن حادث الاغتيال سيؤدي الى مفاوضات سرية، وربما تقبض طهران الثمن على شكل اعتراف أمريكي بنفوذها في العراق وسوريا ولبنان مقابل الالتزام بأمن إسرائيل. فلن تفتح أبواب جهنم على أمريكا كما هدد البعض، وبعضهم فصائل فلسطينية توعدت بالانتقام والموت الزؤام لأمريكا، وكأن سليماني أكثر أهمية من الشهداء أحمد ياسين وفتحي الشقاقي والجعبري والرنتيسي، وأخيرا بهاء أبو العطا الذي تقاعست حماس عن المشاركة في السجال الصاروخي انتقاما لاغتياله. وذهب هنية الى طهران للمشاركة في جنازة سليماني ووصفه بشهيد القدس، فعن أي قدس يتحدث هنية؟!.. وهل أطلق سليماني رصاصة من أجلها أم أطلق الرصاص على المدنيين في الناصرية وبغداد ومدن سوريا ؟!