حافظ البرغوثي يكتب: دود في البلح

ما زال الاقتصاد التونسي يتنفس بصعوبة رغم مرور سنوات طوال على  إطاحة الرئيس الأسبق  زين العابدين بن علي، وتغيب الابتسامة التي كانت ملازمة للسحنة التونسية في الشوارع، فالكل يرزح تحت وطأة وضع معيشي هو الأسوأ منذ الاستقلال.

كان من عادة السياسي الفلسطسيني الراحل خالد الحسن  القول إن تونس البلد العربي الوحيد الذي يمكن أن يعيش  ويغلق أبوابه بالمفتاح، لأنه ينتج كل ما يحتاجه وفيه خيرات كثيرة، لكن عندما زرت مدينة الحمامات وقارنتها بزيارة سابقة  قبل عقدين لم يكن في الشارع البحري حيث تصطف المطاعم والمقاهي ومتاجر السلع  التراثية إلا أنا وصديق لي أبدى هو استغرابه أيضًا لخلو المدينة من السياح، حيث كان من المصعب العثور على غرفة في فندق أو مقعد في مطعم!

غاب السياح أولا بعد تحكم حزب النهضة بالحكم في البداية ثم جاءت موجة من العمليات الإرهابية لفلول إرهابية قدمت من سوريا والعراق، حيث ساهمت أجهزة مخابرات خاصة غربية في تجنيد شبان من تونس لإرسالهم إلى المشرق وبعضهم عاد وآخرون تشبعوا بالفكر الإرهابي  القطبي، خاصة أنه يعيش تحت  حزب إخواني يقدس سيد قطب وفكره الذي ينبذ الآخرين.

ورغم أن حركة النهضة أعلنت أو تظاهرت بتغيير سلوكها وفصلت بين النشاط الدعوي والسياسي، لكن هذا ظل مجرد دعاية، صحيح أن السيد الغنوشي رفع شعار تونس أولا بعيدًا عن دولة الخلافة التي يدعو لها التنظيم الدولي للإخوان، ويتبناها محمود الزهار الذي وصف فلسطين   ضمن مشروعه الكبير  بأنها مجرد سواك في استخفاف لا مثيل له، إلا أن التأثير التركي والقطري ما زال موجودا في تونس.

في زيارتي الأخيرة لتونس وقعت عمليتان انتحاريتان ضد سيارة لمكافحة الإجرام وأخرى لشرطة بلدية غير مسلحة تعنى بتقييد عجلات السيارات المخالفة ولا نعلم المغزى من العمليتين، وبعدهما انتشر نبأ نقل الرئيس قائد السبسي إلى المستشفى، ثم تواترت الشائعات بين وفاته وغيبوبته، فدب الهلع لأن القادم أسوأ، نظرًا للفراغ الدستوري، حيث إن الرئيس لم يوقع مرسوم المحكمة الدستورية بعد، وسرت شائعات عن  أن كتلة حزب النهضة تتشاور لتعيين أحد قادتها رئيسًا انتقاليًّا، وهذا دفع الغنوشي إلى نفي ذلك والمطالبة بتحقيق.

فالوضع التونسي هش سياسيًا كما هو هش اقتصاديًّا، فقد خلت الأسواق من الإنتاج التونسي، وتئن ميزانية الدولة تحت وطأة ضخ أكثر من 200 ألف موظف وظفتهم حكومة حزب النهضة السابقة أُضيفوا إلى قرابة 300 ألف في إطار حشد الأنصار والتمكين بالسيطرة على مفاصل الحكومة.

والسؤال هو هل تنهض تونس مجددًا مع تفسخ أحزاب كبيرة واشتداد الأزمات الداخلية أو يذهب حكامها إلى كلمة سواء لإنقاذ بلدهم وإعادته إلى سكة الازدهار؟! نتمنى ذلك، لكن عندما اشتريت علبة تمر من السوق وجدت دودًا تحت قشور التمرات، فتذكرت قول الشاعر التونسي الراحل أولاد أحمد:

اللهم اجعل دودًا في البلح

ذهبنا إلى الانتخابات

ولم ينتخب أحد مَن نجح.