حافظ البرغوثي يكتب: رحلة لن تتكرر إلى وكر العنصرية المتنامية 

 

 

زرت الولايات المتحدة قبل 17 سنة ضمن وفد اعلامي للتعرف على تلك الديار ، ولاحظت كثيرا من الأمور المقلقة هناك  تشير الى أنه من الصعب انتزاع هذه الدولة من بين فكي أسماك  القرش الصهيونية .

وقد وضع معدو برنامج الزيارة جدولا يفرض علينا لقاء اليهود فقط في أية مؤسسة نزورها، ولسان حالهم يقول: لا تجتهدوا فهنا ديار يتحكم فيها اليهود وخاصة الصهاينة . في منظمات الصحافة وحقوق الانسان وفي الجامعات والمدارس  حتى خلت أنني أزور اسرائيل وليس أمريكا . بالطبع كتبت في حينه أن الولايات المتحدة جميلة وخلابة من الجو فقط ، وهذا أثار استياء القنصلية الأميركية في القدس المحتلة، حيث زارني الملحق الثقافي وعرض علي رحلة منفردا الى هناك، فاعتذرت عن قبول الدعوة وتلقيت لاحقا عدة دعوات لزيارة تلك البلاد لكنني امتنعت. فلا أحب طريقة إدارتها  ولا طريقة صنع القرار فيها، بل قاموا بالتجسس علينا لمعرفة توجهاتنا السياسية وأفكارنا الدينية.  وعندما زرنا مسجدا في أوهايو أمطرونا بعدها بأسئلة عن توجهات شيخ المسجد، فقلنا إنه رجل وسطي يحب هذه البلاد ويدعو للتعايش  ويسمح للمرأة بالاختلاط داخل المسجد للقيام بدورها تجاه المسلمين، وبعدها بفترة سمعنا عن تسليم الشيخ لسلطات الاحتلال.

عند النصب التذكاري لإبراهام لنكولن، كانت طالبة علوم سياسية ليست يهودية تشرح لنا عن النصب، ثم غذت الخطو نحو الخروج يسبقها أعضاء الوفد، وماطلت في المغادرة وأنا أتفحص أسماء الولايات في النصب، فسألت عما تبحث؟.. فقلت: عن اسرائيل، فقالت بإبتسامة: إنهم كل هذا. ومررت  بقرب الحائط الرخامي الأسود، حيث توجد أسماء قرابة 45 ألف جندي أمريكي قتلوا في حرب فيتنام،  وصرت أبحث عن أسماء عربية  فوجدت عبد الله وعبدو وغيرهما،  فسألتني المرشدة: عما تبحث ؟.. فقلت عن أسماء يهودية، فقالت: لماذا؟.. فقلت: أظن أن اليهودي إذا ادعى أنه يرفض التجنيد لأسباب دينية ليدرس التلمود  لتم إعفاؤه، أما محمد علي كلاي فقد سجن. عادت المرشدة تبتسم وقالت: أمامكم درب طويل لتغيير النظرة الأمريكية الى قضيتكم.

في كل مكان زرناه كان يستقبلنا مسؤول يهودي، حتى في الخارجية كان هناك وجه مألوف تلفزيونيا ليكودي التوجه،  فقلت له: انت لست خبيرا استراتيجيا  مستقلا كما تكتب  قناة الجزيرة عند استضافتك، بل أنت موظف رسمي، فامتقع وجهه عند ذلك.  ما زرنا موقعا الا ووضعوا لنا صهيونيا، وكأنه جاء لفحصنا أيديولوجيا. ولما مرت طالبة في جامعة بأوهايو وطرحت السلام علينا ولم تتوقف، قال مرافقنا وهو يهودي: إنها طالبة يهودية ترحب بكم، لكن كلامه لم يقنعني فتتبعت الفتاة وسألتها من اين انت ؟ فقالت: أن من البيرة رام الله أصلا ولا أعرف الا القليل من العربية، فقلت: إن ذلك المرافق يكذب.

وفي أوهايو أيضا قيل لنا إن كل عضو في الوفد ستستضيفه عائلة، وكان حظي عند طبيب دعا طبيبا ايرانيا من البهائيين وباكستانيا وكان جل حديثهم  محاولة اقناعي أن  مدبري هجمات الطائرات في واشنطن ونيويورك هم من اليهود، فلم اقتنع ببراءة السؤال وغيره لعلعهم كانوا يحاولون استدراجي في الحديث ثم اتهامي باللاسامية. بالطبع لم يخل الأمر من وجود بعض المتنطعين من بيننا الذين أينما حللنا تفاخروا بشتم عرفات والسلطة، فأثاروا غضبي الى أن انفجرت فيهم قائلا: أجئتم تقدمون أوراق اعتماد للالتحاق بركب المارينز؟. وفعلا التحق أحدهم بقناة الجزيرة بعدها بفترة قصيرة، والآخر افتتح دكانا كمنظمة غير حكومية للدراسات مدفوعة الأجر والموجهة .

ترامب هو ضمن هذا النسيج العنصري الصهيوني الإيفانجيلي الذي يستند الى الأساطير الإنجيلية الصهيونية، ويؤمن بنظرية التفوق العرقي للبيض، وسبق له أن شتم الأفارقة ووصفهم بما هو أسوأ من الحثالة وتطاول على اللاتينيين. ولعل هجومه على النائبات الديمقراطيات الأربع مثال على  ذلك. وهنا أشير الى أن أكثر سؤال مني كان يثير استغراب الامريكيين هو سؤالي من أين أنت؟ فيجيب من نيويورك مثلا فأضيف: أقصد أصلك، من أين أتى أسلافك؟.. فيهز رأسه مستغربا ويقول: بريطانيا أو أيرلندا أو شرق أوروبا. مجرد طرح السؤال يجرد  المسؤول من بعض كينونته كأمريكي قح ويعيد تذكيره بأنه مهاجر، وهو السؤال نفسه الذي إذا ما طرحته على إسرائيلي أطرق قليلا قبل أن يجيب، لأنه تذكر أنه ليس من أهل البلاد الأصليين . ولهذا فإن ترامب بتصريحاته العنصرية إنما يستحث الروح العنصرية ويستنهض أنصاره من العنصريين أصحاب نظرية الفصل العنصري  وتفوق البيض  في إطار حملته الانتخابية، وهويدرك أنه بحملته على المهاجرين يذكر الأمريكيين البيض بأن العبودية لم تنته،  لأن آخر ولاية ألغت العبودية هي المسيسيبي قبل ريع قرن فقط، وهو يريد إعادتها، ولعل سياسته تتوافق مع اليمين العنصري الديني اليهودي الذي يدعو رئيسه رافي بيرتس الى جعل العرب عبيدا لليهود، وان هتلر كان على حق في نظريته العنصرية لكنه اختار الجانب الخطأ بمعاداة اليهود.