حافظ البرغوثي يكتب: عصافير وخنازير و«المشياح الجزار»

 قبل 90 سنة أي 1929 وفي الصيف اللاهب خرج اليهود في مظاهرات في القدس  نحو حائط البراق وهم يهتفون: “الحائط حائطنا” ، فرد الفلسطينيون بمظاهرات مماثلة، لكن بعد مقتل إمام مسجد وأفراد عائلته في يافا والتمثيل بجثته من قبل اليهود اندلعت ثورة البراق  دمويا،  والتي كانت أول ثورة فلسطينية لإنقاذ المسجد الأقصى  من الأطماع الضهيونية. 

 وقبل أيام دعا وزير الأمن الداخلي الاحتلالي أردان الى السماح لليهود بالصلاة بحرية في المسجد والسيطرة عليه وتغيير الوضع القائم والسماح لليهود بوضع ما يريدونه من أدوات للصلاة، لكن تصريحه هذا لم يحرك ساكنا في العالمين العربي والإسلامي، ولا حتى الفلسطيني، بسبب الانقسام الفلسطيني المقيت، حيث تبارى الفلسطينيون حسب انتماءاتهم الحزبية في تأييد الغزو التركي للشمال السوري أو معارضته، متجاهلين وضهم البائس . فلا “الحائط حائطنا”، ولا “المسجد مسجدنا” تحرك أحدا . ووضع كهذا يتيح للاسرائيليين السيطرة على المسجد ككل، حيث تنشط جمعيات استيطانية منذ سنوات ليس للتقسيم المكاني  والزماني في المسجد، بل للسيطرة عليه وتهويده. وقد تأسست جمعية لهذا الهدف، وهي جمعية أغلب أعضائها من المسؤولين الاسرائيليين، وهدفهم بناء كنيس يهودي على جزء من المسجد الأقصى، وبالتحديد مكان المدخل الرئيسي للمصلى المرواني الواقع في الجهة الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى المبارك، وتم تسجيل الجمعية لدى مسجل الجمعيات والشركات رسميا منذ ست سنوات بهدف واضح وهو إقامة كنيس يهودي في مكان محدد ومعروف على جزء من “جبل الهيكل”، بحيث يشكل هذا الكنيس نقطة تجمع وانطلاق لبناء كنيس كبير ومتعدد القاعات والمغتسلات  ـ  ويشكل مع مرور الوقت نقطة ارتكاز لتسريع بناء الهيكل المزعوم . وقال القائمون على الجمعية إن إقامة مثل هذا الكنيس سيكون رمزاً للسيطرة الاسرائيلية الحقيقية على المسجد الأقصى، ونقطة تواجد دائمة فيه.

يتضح الآن أن ما يقوله الوزير اردان الذي سبق له في اغسطس آب الماضي أن طالب بتغيير الوضع القائم في المسجد هو ضمن مخطط استيطاني للسيطرة على المسجد. وقد بدأ اليهود في وضع تمائم دينية في شقوق في الجدران عند أبواب القدس  كبداية للتهويد والإدعاء أن هناك آثاراً يهودية وهم يتخذون إجراءات مشددة عند باب الرحمة  للسيطرة عليه لإعتقادهم مع أتباع الكنيسة الإنجيلية الصهيونية الأمريكية أن المسيح المنتظر عندما يبعث سيدخل من باب الرحمة.

بالطبع هناك تناقضات بين المفهومين للمسيح المنتظر لدى اليهود والإنجيليين الصهاينة، فاليهود يعتقدون أنه لتسريع قدوم “المشياح” كما يسمونه يجب تهويد المسجد وإقامة الهيكل، وليس الانتظار لقدومه حتى يبنيه، وسيكون ملك اسرائيل، ومن لا يتبعه سيذبح. أما الانجيليون فيعتقدون أن دعم الكيان الاسرائيلي واجب ديني، لأنه سيعجل بقدوم المسيح الذي سيقيم دولة مسيحية، ومن لا يتبعه من اليهود سيذبح. ومن المفارقات الطريفة أنه أثناء الاحتفال في البيت الأبيض بتهويد أحد أحفاد الرئيس ترامب من إبنته ايفانكا وزوجها اليهودي جاريد كوشنر، جاء كاهن يهودي يتلو صلاة ختمها بقوله إن “المشياح” عند قدومه سيذبح من لا يؤمن به من غير اليهود . فكل طرف يبيت الذبح للطرف الآخر، وكأن المسيح المنتظر سيكون جزارا والعياذ بالله. بقي أن نقول إن الطرفين متفقان حاليا على ذبح الفلسطينيين فقط  لأنهم لاهون عما يخطط لهم ويقدمون أنفسهم قرابين سهلة على طبق من الانقسام .

يروى تاريخيا أن الصليبيين عندما مات ملك القدس أحضروا الملك روجر النورماندي من صقلية كملك للقدس، وكان يتقن العربية لأنه عاش مع العرب في صقلية  ويعرف الدين الاسلامي جيدا ويعترف بفضلهم على الحضارة، ولما وصل القدس أراد الاطمئنان على وضع المسجد الأقصى فلاحظ وجود حارس عربي يطرد العصافير بالحجارة حتى لا يتسخ المكان من روثها، فقال الملك للحارس بحزن: كنت يا مسكين  تنتظر العصافير فجاءتك الخنازير.