حافظ البرغوثي يكتب: من عصر التليفون الى ما بعد التليفزيون

 

احتفل العالم في الشهر الماضي باليوم العالمي للتلفزيون الذي أقرته الأمم المتحدة سنة 1996 في ختام المنتدى العالمي للتلفزيون، ورغم أن التليفزيون من إختراع أمريكي على يد مهاجر روسي يدعى فلادمير زوركين سنة 1926 إلا أن البث الرسمي به كان في بريطانيا سنة 1936 ثم بعدها بثلاث سنوات في الولايات المتحدة، وفي العالم العربي كان العراق سباقا في البث التليفزيوني سنة 1956 ثم الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي ثم لبنان ثم مصر سنة 1960.

شخصيا شاهدت التليفزيون لأول مرة في سنة 1968 عند بدء بث التليفزيون الأردني، وكانت هناك نوادر كثيرة منها أن إحدى القريبات كانت لا تجرؤ على المرور أمامه لظنها أن من يظهرون على الشاشة سيشاهدونها، وكذلك شاهدت عمة لي تهمس بصوت خافت لإبنها وهو جالس أمام الشاشة طالبة منه أن ينزل قدميه الى الأرض ولا يرفعهما أمام الشاشة لأن وزيرا كان يتحدث في أحد البرامج. أما جدتي فعندما زارتنا في الكويت تركناها في الشقة والتليفزيون مفتوح، وعندما عدنا كانت في حالة عصبية فسألتها ما جرى؟.. فقالت: “إن اثنين كانا يتشاجران ويضربان بعضهما البعض بعنف  والناس تتفرج عليهما ولا أحد يصلح بينهما، وجاء رجل ظننته سيتوسط بينهما، فإذا به يرفع يده ويشير الي فقمت بسرعة متسللة الى زر الكهرباء وقطعتها عنه حتى لا يقفز علي لضربي”.. لقد كانت الجدة العجوز تشاهد حلقة مصارعة وظنت أن الحكم يشير إليها لضربها.

كان هنري كسينجر يدرك أهمية التليفزيون، فقد تمنى في السبعينات أن يكون هناك تليفزيون أمريكي يغطي العالم إخباريا، فظهرت لاحقا السي إن إن لخدمة السياسة الأمريكية، وفي عالمنا العربي لعب التليفزيون دورا في الترفيه وخدمة الأنظمة التي يخضع لها، لكن ظهرت الجزيرة ضمن منظومة خدمة السياسة الأمريكية ولعبت دورا هداما في تخريب العلاقات العربية وإثارة الفتن والحرب، وخدمت الأمريكيين والإسرائيليين أكثر من التليفزيونات الأمريكية والإسرائيلية.

من اخترع التليفزيون لا أظنه كان يتوقع تطوره الى ما هو عليه الآن لكن هناك من كان يتوقع تطور العلم، ففي صحيفة أمريكية قرأت خبرا سنة 1951 يقول إن رئيس شركة المحيط الهادي للتليفونات في سان فرانسيكو قال لمناسبة احتفال للشركة عن التليفون إن هذا الجهاز سيتطور ومن يدري أننا قد نسير يوما ما حاملين تليفون صغير في أيدينا وقد نستطيع رؤية من نتحدث معه. ما تنبأ به الأمريكي حدث اليوم وبات التليفون النقال يجمع عدة اجهزة في واحد، فهو حاسوب وتليفزيون وسينما وفيديو وإذاعة وصحيفة.

أذكر هنا حكاية رواها كبار السن، وهي أن فلاحا أميا مسنا كان يراقب تركيب أول معصرة زيت ميكانيكية في قريتنا وصلت من فرنسا الى فلسطين سنة 1920، فقبل ذلك كانت عملية العصر تتم في “البد” الذي تشغله الحيوانات، فقال المسن: “اليوم ما أضخم هذا البابور لكن  سيأتي  يوم ويصغر بحيث ينقل الى باب البيت لطحن القمح وعصر الزيتون”.. وهذا ما يحدث الآن.