حافظ البرغوثي يكتب: من يأجوج ومأجوج إلى مجدو.. أساطير لتغذية الحروب

يبدو أن حراس المعبد في البيت الأبيض من أحبار يهود والكنيسة الإنجيلية الصهيونية لم يكتشفوا وجود يأجوج ومأجوج في إيران، لذلك فتحوا المجال للوساطات لتعمل لنزع فتيل التوتر بين واشنطن وطهران، فالرسل من عمان وقطر وروسيا وسويسرا يسعون منذ اندلاع الأزمة الحالية للجمع بين الخصمين الأمريكي والإيراني، وهم مقتنعون أن الطرفين سيجلسان في النهاية للتفاوض.

فالعلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران منذ أربعين سنة وإن غلب عليها التوتر والتصريحات المزلزلة إلا أنها تحتكم في النهاية إلى المصالح المشتركة في المنطقة العربية بين الجانبين ولا توجد إلا مصلحة إسرائيلية على رأسها فيما تغيب أي مصلحة عربية في المنظور المادي.

فلم يحدث أي اشتباك بين الجانبين قط باستثناء استهداف موانئ وسفن إيرانية بعد حادث إسقاط طائرة ركاب فوق الخليج، وفشل عملية إنقاذ رهائن السفارة الأمريكية في طهران بواسطة مروحيات اصطدمت ببعضها في صحراء طبس.
وقد دعمت إيران الولايات المتحدة أثناء غزو العراق وغض الأمريكيون الطرف عن التغلغل الإيراني في بغداد، ودعموا الميليشيات المسنودة من إيران في حربها ضد المقاومة السنية.. لكن في الحالة الأخيرة أي الأزمة الجارية حاليًا بين واشنطن وطهران غاب مصطلح يأجوج ومأجوج وحل محله مصطلح معركة مجدو في فلسطين التي يبشر بها الإنجيليون في البيت الأبيض، وعلى رأسهم مايك بينس نائب الرئيس.

وكان الرئيس بوش الابن خاض غزوه للعراق تحت ستار البحث عن يأجوج ومأجوج، وقد صدر مؤخرًا كتاب بالفرنسية وصدرت ترجمته الإنجليزية والإسبانية فى اليوم نفسه وصفته صحيفة «لو جورنال دى ديمانش» الفرنسية بأنه «مثير للذهول» لأن مؤلفه دحض أكذوبة أن الغزو الأمريكي للعراق كان بغرض البحث عن أسلحة الدمار الشامل العراقي أو تحقيق الديمقراطية، ولكنه كشف الحقيقة الصادمة التى تقول إن هذا الغزو «كانت له صبغته الدينية المسيحية – الصهيونية الأكثر عنفاً وتطرفًا.. لا أكثر ولا أقل.
كشف الكتاب الذي ألفه جان كلود موريس هذه الحقيقة برصده نصوص المكالمات الهاتفية التى جرت بين الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش والرئيس الفرنسي (حينذاك) جاك شيراك لإقناع الأخير بالمشاركة مع الولايات المتحدة وبريطانيا فى الحرب على العراق.

وأكدت هذه النصوص له أن جورج بوش ذهب للحرب على العراق «بحثاً عن يأجوج ومأجوج» ونقل عن شيراك قوله: تلقيت من بوش مكالمة هاتفية غريبة فى مطلع عام 2003.. فوجئت بالرئيس الأمريكي وهو يطلب منى الموافقة على ضم الجيش الفرنسي للقوات المتحالفة ضد العراق، مبرراً ذلك بتدمير آخر أوكار (يأجوج ومأجوج).

وأضاف شيراك أن الرئيس الأمريكي أكد له أن «يأجوج ومأجوج مختبئان فى الشرق الأوسط قرب مدينة بابل العراقية القديمة، وأن بوش أكد له بالحرف الواحد أن الحرب على العراق حملة إيمانية مباركة يجب القيام بها، وواجب إلهي مقدس أكدت عليه نبوءات التوراة والإنجيل.

وكلنا يذكر تصريحات جورج بوش الابن عندما وصف حملته على العراق بأنها “كروسيد” أي حملة صليبية، بالطبع نذكر أن مسمى الحروب الصليبية هو مسمى أوروبي لأن العرب كانوا يسمونها حملات الفرنجة، أي الحملات الفرنسية، لأن أغلبية الجنود فيها كانوا فرنسسيين.

وقد قيل إن بوش زل لسانه، لكنه عاد وكرر التعبير لاحقًا، كما أنه صرح بأنه يتصرف بوحي إلهي.
ما كان بوش يقوله ظهر في أدبيات حراس المعبد في البيت الأبيض من الإنجيليين الصهاينة حاليًا سواء بلسان نائب الرئيس مايك بينس الإنجيلي المتعصب الذي نجح بمساعدة من جاريد كوشنر في طرد أو إقالة أي مسؤول في البيت الأبيض يعارض توجهاتهم المؤيدة لإسرائيل دون نقاش.

ويؤمن بينس بأنّ هجرة اليهود إلى فلسطين وإقامة الدولة اليهودية هي جزء ضروري من عملية الخلاص المسيحية.
والمعروف هو أن اعتقاد الإنجيليين، يتمثل في أن عودة كل اليهود إلى فلسطين، تمثل ضرورة من أجل التمهيد لعودة المسيح المخلص، والمعركة الفاصلة “هرمجدون” التي يُخيَّر فيها اليهود بين أتباع المسيح والقتل، قبل نهاية الزمان.

وقد كشف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن توجهاته المسيحيانية الصهيونية الإنجيلية، فبعد زيارته بيروت وتل أبيب مؤخرًا، قال بومبيو ردا على سؤال إن كان يعتقد أنّ ترامب جاء في هذا الوقت كي يُساعد في إنقاذ اليهود من التهديد الإيراني، فأجاب بومبيو: “كمسيحي أعتقد بالتأكيد أنّ هذا ممكن”.

من جانبه، أشار مارتن إنديك، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون الشرق الأدنى وهو يهودي أيضًا، إلى التأثير الإنجيلي على إدارة ترامب، وأعرب عن شكوكه في خطة السلام التي تسمى صفقة القرن قائلاً: “في نظر الإنجيليين، هذه هي الأرض التي وهبها الله لليهود.. إنهم يعارضون بشدة أي تنازل هناك. وإذا ما وجد شيء من هذا القبيل، أعتقد أنه ستكون هناك معارضة إنجيلية قوية لها.