حرب تشكيل المستقبل.. مؤشرات العودة للتعددية القطبية

ثلاثة مشاهد كانت ملفتة للانتباه ومثيرة للاهتمام والرصد.. حين يبادر زعيما دولتين عملاقتين (الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ)، في ختام محادثاتهما في موسكو، الأربعاء الماضي، 5 يونيو/ حزيران الجاري، بزيارة حديقة الحيوانات في موسكو، وتفقدا جناح دببة الباندا العملاقة، للاطمئنان على «دبي باندا» أهدتهما الصين لروسيا ــ أثناء زيارة عمل قام بها الرئيس بوتين إلى بكين، في 26 إبريل/ نيسان الماضي، في سياق إحياء الذكرى الـ 70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والصين.

  • المشهد الثاني في اليوم التالي، الخميس، أقامت وكالتا «شينخوا» و«تاس» للأنباء، معرضا مشتركا للصور في موسكو، ونشرت الوكالتان، وهما صاحبتا تاريخ طويل وتمتلكان مجموعة ثرية من الصور، 70 صورة، حيث ساهمت كل منهما بنصفها، بمناسبة الذكرى السنوية الـ70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين وروسيا، وتظهر هذه الصور شراكة التنسيق الإستراتيجية الشاملة بين الصين وروسيا، وتظهر الصور أيضا التفاعل بين كبار المسؤولين، والتعاون الاقتصادي والتجاري، والتبادلات الشعبية، وكذا مناسبات ثقافية، وتظهر صور الوكالة الصينية «شينخوا»، القديمة التي التقطت عام 1952 وأحدثها في أبريل/ نيسان عام 2019، الصداقة التقليدية بين الشعبين، والانجازات التعاونية في مختلف المجالات، والصداقة والثقة المتبادلة بين كبار قادة البلدين، واللحظات المؤثرة للتبادلات بين الأشخاص العاديين من الدولتين.

 

  • والمشهد الثالث..في مسرح البولشوي الروسي، مع إقامة احتفالية بمشاركة الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، بمناسبة الذكرى الـ70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأقيم الحفل بعدما وقع الرئيسان شي وبوتين بيانا مشتركا للارتقاء بالعلاقات الثنائية بين البلدين إلى شراكة تنسيق إستراتيجية شاملة لعصر جديد.

 

التعددية القطبية

دلالات المشاهد الثلاثة، كشفت عنها إشادة الرئيس بوتين بالمساهمات البارزة للبلدين «من أجل حماية الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين، وحل القضايا الساخنة، والتصدى للتحديات والتهديدات الجديدة التي تواجه البشرية»..موضحا أن روسيا والصين تدعمان معا «التعددية القطبية في العالم»، وتحميان القانون الدولي وكذا مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، و«تعززان تشكيل نظام دولي جديد» يرتكز على مبادئ المساواة والمنفعة المتبادلة والتعاون القائم على الفوز المشترك.

 

دمقرطة العلاقات الدولية

وعلى نفس المسار والرؤية، دعا الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في كلمته أمام الاحتفالية الروسية، إلى بذل جهود مشتركة لحماية السلام العالمي، وتعزيز التعددية القطبية للعالم، ودمقرطة العلاقات الدولية، وبناء عالم أكثر ازدهارا واستقرارا وإنصافا.. وأشار الرئيس «شي» إلى أن السنوات الـ70 الماضية أثبتت تماما أن الصين وروسيا نعم الجارتان وشريكتان حقيقيتان لبعضهما البعض، كما كانتا من قبل وكما ستظلان في المستقبل، وأن الدولتين ستعتزان دوما بالرباط الذي لا ينفصم بينهما، وأنه في القرن الـ21، رفعتا الصين وروسيا علاقاتهما إلى شراكة تنسيق إستراتيجية شاملة، لتضعا نموذجا لبناء نمط جديد من العلاقات الدولية ومجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

 

نهاية مرحلة القطب الأوحد

ويرى مراقبون في موسكو أن قمة «بوتين ـ شي» ـ على هامش احتفالية الذكرى السنوية الـ70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ـ قد دشنت مرحلة مفصلية في توازنات العلاقات الدولية بتصنيف عالم متعدد الأقطاب ونهاية مرحلة القطب الأوحد، أو عالم ثنائي القطبية.. ويؤكد مدير معهد الشرق الأقصى التابع لأكاديمية العلوم الروسية، سيرغي لوزيانين، أن كلا الدولتين تسعيان من أجل إرساء نظام في أوراسيا الكبرى لا يقوم على هيمنة الولايات المتحدة.

 

تنسيق روسي صيني لمواجهة الولايات المتحدة

وفي رؤيته لزيارة الرئيس الصيني لموسكو ومشاركته احتفالية الذكرى الـ 70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين..يؤكد المحلل السياسي الروسي، أناتولي كومراكوف، أن « الرئيس شي جين بينغ، جاء إلى روسيا لتدشين صداقة ضد الولايات المتحدة»، ويبدو أن خط المواجهة الاقتصادية في الحرب الباردة الجديدة بين الصين والولايات المتحدة سوف يمر عبر روسيا..بينما يرى الخبير الروسي، يوري تافروفسكي، ضرورة التنسيق الروسي الصيني لمواجهة الولايات المتحدة.. ويشير «تافروفسكي» إلى أن المصالح الوطنية لروسيا والصين، في مواجهة التحدي الأمريكي الشديد الوضوح، تحتم مناقشة عاجلة للوضع الدولي الجديد، وإن كان من المستبعد أن تؤدي حتى التحديات الجديدة والتهديدات المشتركة في المستقبل المنظور إلى إنشاء تحالف عسكري سياسي روسي صيني.. ولكن «في بداية الحرب الباردة المفروضة علينا، سنكون «معا» ولكن «مختلفين».. ستقاتل أمريكا على جبهتين في وقت واحد.

 

دفاعات اقتصادية مشتركة لمواجهة الهجوم الأمريكي

وتؤكد مراكز بحثية روسية، أن الموقف الأمريكي تعقده الحاجة إلى مواجهة قوتين نوويتين تتمتعان بمصالح عالمية في آن واحد، وقد يخلق الوضع الجديد فوائد إضافية لموسكو وبكين، إذا تمكنتا من تقويمه بشكل صحيح، ونسقتا خططهما وأعمالهما بالسرعة اللازمة، وتبنيان دفاعات اقتصادية مشتركة لمواجهة الهجوم الأمريكي، لقد حان الوقت لأن تتخلص النخب الحاكمة في روسيا والصين من رواسب عدم الثقة المتبادلة، التي تعيق رفع مستوى الشراكة الاستراتيجية، وتقلل من قدرة البنى الاقتصادية على الصمود.

 

  • ولكن، هل يمكن القول بأن الحرب الأمريكية الصينية الباردة ترسم الدور الجديد لروسيا في العالم ؟ وهل يعني ذلك أن لدى روسيا توجها لخوض حرب تشكيل المستقبل وبناء توازنات جديدة في العالم على قواعد التعددية القطبية، ووضع نهاية لحالة القطب الأ[وحد ؟! الدوائر السياسية في موسكو  ترى ان هناك تنسيقا وتوافقا روسيا صينيا على هذا المسار .