خبراء عسكريون لـ«الغد»: دولة الاحتلال لا تملك التفوق المطلق فى الردع

21

مع إطلاق جيش الاحتلال الإسرائيلي حملة عسكرية واسعة أطلق عليها «درع الشمال» للكشف عن الأنفاق الحدودية «المزعومة»، التي يقوم حزب الله ببنائها على طول الحدود الشمالية وتصل إلى داخل الأراضي المحتلة، محذرا من أن العملية ستشهد توسعاً خلال الأيام القادمة. كشف خبراء عسكريون لـ«الغد»، أن الحملة التي أطلقها جيش الاحتلال مساء الإثنين الماضي، في المنطقة الشمالية لكشف الأنفاق التي حفرها حزب الله في أعماق الأرض، ويطلق عليها «الأنفاق الهجومية»، تؤكد ما تواجهه دولة الاحتلال من هواجس أمنية تتناقض مع مزاعم امتلاكها التفوق المطلق في الردع، وخاصة في جبهة جنوب لبنان، والتي تمثل التحدى الأكبر، بل والأخطر الآن بالنسبة لإسرائيل بسبب القدرات العسكرية الهائلة لحزب الله، باعتراف أبرز القادة العسكريين الإسرائيليين انفسهم.

نتنياهو اعترف بافتقاد قدرة إسرائيل على الردع

ويرى الخبير العسكري، اللواء محمود عبد اللطيف، أن «إسرائيل» نجحت في تسويق نفسها كقوة عسكرية كبرى وتملك قدرات عسكرية نوعية تفوق ما تمتلكه الجيوش العربية مجتمعة، وعلى هذا الأساس فإنها بالضرورة تملك تفوقا مطلقا ونوعيا للردع، وهذا ليس صحيحا بكافة المعايير العسكرية، فضلا عن أن جبهة غزة وجبهة جنوب لبنان كشفتا زيف هذه المزاعم.. وقال اللواء عبد اللطيف لـ«الغد»، إن قادة عسكريين وسياسيين داخل دولة الاحتلال اعترفوا بهذه الحقيقة، وأمامنا ما حدث في قطاع غزة الشهر الماضي، وحيث اعتراف رئيس الحكومة نتنياهو بافتقاد قدرة إسرائيل على الردع، على خلفية قبوله الاضطرارى بـ«وقف إطلاق النار» والقبول بالتهدئة المؤقتة مع قطاع غزة، بعد هزيمة قواته، وفشل العملية الاستخباراتية التى حاولت تنفيذها وحدة كوماندوز إسرائيلية خاصة شرق مدينة خان يونس، وما أعقبها من قصف صاروخى مركز شاركت فيه كل فصائل المقاومة فى قطاع غزة، وأحرجت كفاءة «القبة الحديدية» فى التصدى لصواريخ المقاومة التى تزداد يوماً بعد يوم كفاءة فى التصويب وقدرة فى التدمير ـ بحسب تعبير رئيس وحدة الدراسات العربية و الاقليمية بمركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية بالاهرام ، د. محمد السعيد إدريس ـ موضحا انه ولسنوات طويلة مضت، أعقبت الانتصار العربى الكبير فى السادس من أكتوبر 1973، استطاع الإسرائيليون بدعم دعائى غربي، وأمريكى بالأساس، ومشاركة أبواق إعلامية عربية تمرير أكذوبة امتلاك إسرائيل التفوق المطلق فى الردع.

حسابات حاكمة لفعل الردع

ويؤكد الخبير العسكري العميد علوي فهمي، أن هناك حسابات حاكمة لفعل الردع، وليس السلاح وحده، ولكن الطبوغرافية بعناصرها الطبيعية والبشرية.. هناك ثانيا قدرات الطرف الآخر على المناورة والمواجهة ورد الفعل، وقد تكشف فشل الجيش الإسرائيلي في «مشاريع ردع» على الجبهة اللبنانية، ولم تستطع القوة الإسرائيلية حتى الآن تسجيل انتصار رادع على قوات حزب الله.. وأضاف العميد فهمي لـ«الغد»: إن كل ما تدّعيه دولة الاحتلال من ردع المقاومة الفلسطينية في غزة، أو محاولات التسلل للبحث عن الأسرى من جنودها، ورغم مساحة غزة المحدودة الصغيرة، إلا أن كل المحاولات الإسرائيلية أثبتت عجز جيش الاحتلال والذي لا يملك من قدرات التحرك سوى الهجوم عن بعد بالقصف الصاروخي أو بالطيران، وهي ضربات لم توقف مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني.

  • وأوضح الخبير العسكري، أن «إسرائيل» وهي تمتلك ترسانة عسكرية أمريكية حديثة، لا تمتلك  من قدرات الردع العسكري ما يحقق لها أهدافها، حتى على الجبهة السورية، فإن امتلاك سوريا مؤخرا لمنظومة الدفاع الروسية S 300 ,400 قد قلص تماما قدرات الردع لدى إسرائيل، والتي كانت في صورة اختراق للمجال الجوي السوري وقصف بعض المواقع.

 

حقائق مذهلة عن مستوى جيش الاحتلال

وقال العميد فهمي: لقد سبق للجنرال احتياط يتسحاق بريك، رئيس لجنة التظلمات والشكاوى السابق بالجيش الإسرائيلي، أن أكد مرتين في شهر يونيو/ حزيران وشهر اغسطس/ آب الماضيين، أن الجيش الإسرائيلي ليس مستعدا لمواجهة التحديات الراهنة أو ليوم الحسم القادم، وما يخفي الجيش من قوة علنية، تخفيها حقائق مذهلة، من بينها ضعف التدريبات العسكرية، وانخفاض مستوى المدربين، وضعف صيانة المعدات القتالية، مع تخفيض القوة العاملة في الجيش، وناشد الجنرال يتسحاق بريك القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية بضرورة أخذ تعليقاته مأخذ الجد.

 

وتابع الخبير العسكري: إن عضو الكنيست، عوفير شيلح، من حزب «يش عتيد»، ومعه عومير بارليف، أعضاء لجنة الخارجية والأمن بالكنيست، قد طلبا قبل أربعة أشهر إفادات حول مدى جهوزية الجيش الإسرائيلي لأي مواجهات عسكرية في الجبهة الشمالية، ولكن رفض أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع المستقيل، الإدلاء بأية شهادات أو إفادات، معتبرا أن هذا الأمر هو « من الأسرار العسكرية المحظورة» وذلك بعد التشكيك في جهوزية الجيش لأية حرب قادمة، بدعوى أن هذه القوات متوسطة المستوى، والضباط الكبار باتوا يهتمون بالمظهر على حساب الجوهر.

 

«نتنياهو» يأمل في استعادة قدرة إسرائيل على الردع!

ويقول خبير الشئون السياسية والاستراتيجية، د.. محمد السعيد  إدريس، إن رئيس الحكومة الإسرائيلية، نتنياهو، وفى محاولة منه لإقناع كل من نفتالى بينيت وزير التعليم زعيم حزب «البيت اليهودي» اليمينى المتطرف وموشيه كحلون وزير المالية بالبقاء فى الحكومة وعدم الانسحاب منها بعد استقالة وزير الحرب أفيجدور ليبرمان اعتراضاً على قرار الحكومة المصغرة «الكابينيت» وقف القتال ضد غزة ورفض القبول بدعوته لاجتياح القطاع وإعادة احتلاله، قدم وعداً للوزيرين بأنه «سيعمل على استعادة قدرة إسرائيل على الردع»، حسب اعتراف أدلى به نفتالى بينيت. وبعد نيتانياهو يأتى اعتراف شركائه فى الحكم وأولهم أفيجدور ليبرمان الذى برر استقالته من الحكومة بخضوع نيتانياهو لما سماه بـ «المنظمات الإرهابية»، وخضوع الجيش الإسرائيلى للمستوى السياسى (القيادة السياسية) «الذى لم يتخذ القرارات اللازمة لاستعادة القدرة على الردع».

 

انكشاف غير مسبوق لأكذوبة امتلاك إسرائيل التفوق المطلق فى الردع

واضاف: لقد بدا واضحا الانكشاف غير المسبوق لأكذوبة امتلاك إسرائيل التفوق المطلق فى الردع، وبعد ليبرمان يأتى الدور على نفتالى بينيت الذى كان يحلم بتولى منصب وزير الحرب خلفاً لأفيجدور ليبرمان عقب استقالته، فقد أعلن أن «غزة لا بيد الجيش الإسرائيلي، وأن الجيش لم يعد قادراً على تحقيق الانتصار في القطاع»، والأدهى من ذلك، أن جبهات القتال الثلاث ( سوريا ولبنان وغزة) التى يمكن أن يقاتل فيها الجيش الإسرائيلى لإثبات قدرته المتفوقة على الردع باتت شبه مغلقة، فالجبهة الجنوبية فى غزة أضحت عصية على الاجتياح بعد أن تحّول هذا الخيار إلى خيار «شبه انتحاري» باعتراف نتانياهو نفسه الذى يعلم جيداً أن تكاليف أى هجوم من هذا النوع سيكون ثمنه غالياً عسكرياً وسياسياً وبشرياً، بسبب القدرات المتطورة للمقاومة، وفشل «القبة الحديدية» فى التصدى للقصف الصاروخى المكثف والمتسارع على النحو الذى حدث فى المواجهة الأخيرة. بهذا المعنى لا يبقى أمام إسرائيل سوى الجبهة الشمالية بشقيها السورى واللبناني.

 

الجبهة السورية مغلقة أمام إسرائيل.. وجنوب لبنان التحدي الأكبر 

والجبهة السورية تكاد تكون مغلقة الآن أمام إسرائيل  بعد حادثة سقوط الطائرة الروسية «إيليوشن 20»، وعجلت بتسليم روسيا بطاريات صواريخ «أس- 300» للجيش السورى فضلاً عن تعهدات روسية بالتصدى لأى اختراق جوى فى الأجواء السورية..أما جبهة جنوب لبنان فهى التحدى الأكبرلإسرائيل بسبب القدرات العسكرية الهائلة لحزب الله، وهى القدرات المدعومة بأكثر من مائة وخمسين ألف من الصواريخ الباليستية المتعددة الأحجام والأبعاد، وباتت تتمتع بقدرة تدميرية عالية جداً، ودقة فى إصابة أهدافها، قادرة على ضرب أهداف حيوية فى العمق الإسرائيلى وفرض أى معركة لتكون على «أرض إسرائيل» وأن تكون الجبهة الداخلية الإسرائيلية هى أول من سيدفع أثمانها، وهي، بالمناسبة نقاط حمراء مميتة بالنسبة للأمن الإسرائيلي.

  • ويؤكد د.إدريس، أن مجمل هذه التطورات لها معنيان مهمان أولهما أن القدرة الإسرائيلية على الردع المتفوق باتت مهددة خصوصاً أن مرتكزات هذه القدرة تتعرض للتآكل فضلاً عن الفرص المحدودة للتحالفات الدولية (بقاء إدارة ترامب) والإقليمية مشكوك فى صلابتها واستمراريتها، وثانيهما، أن الطرف الآخر الرافض الخضوع لأكذوبة التفوق الردعى الإسرائيلى أضحى قادراً ليس فقط على الصمود بل وأيضاً على الرد الموجع، فى رسالة لها مغزاها القوى على مستقبل الصراع وعلى قدرة إسرائيل على الردع.