د. جمال خالد الفاضي يكتب: الضم وسؤال ما العمل؟

د. جمال خالد الفاضي

طالما قامت إسرائيل بتحديد جدول أعمال مشاريعها وسياساتها فيما يتعلق بكينونتها الإحتلالية، بل نجحت في تحديد جدول أعمال السياسة في الشرق الأوسط، وكيفية التعاطي مع الصراع القائم منذ ما يزيد على سبعة عقود مضت.

واليوم وبعد نجاح نتنياهو بتشكيل حكومة وحدة وتخفيف حدة تداعيات أزمة كورونا إسرائيلياً ودولياً، أُعيدت فكرة سعي إسرائيل للقيام بضم أجزاء كبيرة من أراضي الضفة الغربية تحت سيادتها الاحتلالية إلى دائرة الضوء والنقاش، ليس على مستوى طرفي الصراع فلسطين وإسرائيل، وإنما عربيًا ودوليًا، فمنذ أن جاءت إلى الحكم قبل أربع سنوات، تداخلت الولايات المتحدة في الصراع إلى الحد الذي أصبحت فيه طرفًا أساسيًا تماهى قولاً وفعلاً مع شروط الاحتلال، ولعل “صفقة القرن” والتي يسميها الأميركيون رؤية السلام وتبنتها حكومة “نتنياهو” ووافق عليها اليمين واليمين المتطرف تمثل إنحيازًا وخروجًا عن قواعد القانون الدولي والمرجعيات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة.

من هنا، فإن إسرائيل، ترى بالموقف الأمريكي الذي يتبنى السردية الصهيونية من الصراع هو موقف جدير بالاهتمام، ومن الضروري فتح آفاق له، ولعل تصريحات وزير الخارجية الأمريكي حول الضم باعتبارها شأنًا إسرائيليًا داخليًا، فرصة تاريخية يجب عدم إضاعتها أيًا كانت المخاوف والمحاذير، خصوصًا، وأن إدارة “ترامب” مقبلة على انتخابات رئاسية في نهاية العام، وهناك خشية من عدم قدرتها على النجاح بعد الأداء السلبي في التعاطي مع أزمة كورونا وتداعياتها على المجتمع الأمريكي صحيًا واقتصاديًا. بالإضافة لذلك، هناك رأي إسرائيلي يرى أن بسط السيادة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية سيعيد توازن البوصلة السياسية الصهيونية حول نموذج التسوية الوحيد الممكن مع الفلسطينيين، والذي وضع أساساته الأولى “بن غوريون” وهو يقوم على أساس جعل الكيان العربي الفلسطيني جيبًا داخل المجال الإسرائيلي، ومن جهة أخرى يتميز عنه ثقافيًا وسياسيًا وقوميًا، لضمان بقاء الدولة كدولة يهودية خالصة، وهذا هو النموذج الذي يسعى نتنياهو لتحقيقه.

ناهيك عن أن حالة التراخي الفلسطينية على المستويين الشعبي والرسمي نتيجة الانقسام الذي تمأسس وأصبح متجدرًا في كل المناحي الحياتية الفلسطينية وتأقلم وإنسجام القائمين عليه مع إفرازات هذا الانقسام رغم القناعات، بأنه يشكل أحد أهم أدوات الضعف والتي تعمل إسرائيل على إسنثمارها من أجل تعزيز مشروعها الإستيطاني.

من جهة أخرى، رغم الميزة النسبية المتوفرة لإسرائيل اليوم بفضل الفرص التي سبق ذكرها، إلا أن هناك تحذرات صادرة عن مراكز الدراسات الإسرائيلية، على الرغم من إختلاف مراجعها الفكرية من فكرة الضم وخطورتها على مستقبل إسرائيل السياسي والديمغرافي، فـــ “معهد السياسة والإستراتيجية“، قال إن فكرة الضم هي تهديد استراتيجي على مستقبل إسرائيل وأمنها وطبيعتها كدولة يهودية وديمقراطية، وانها ستقود إلى انهيار السلطة الفلسطينية ونهاية التنسيق الأمني، وتعزز قوة حماس، وأن البديل الفلسطيني الوحيد هو مقاومة الاحتلال، وتقوض السلام مع مصر والأردن، وتشجع من وتيرة تصاعد المقاطعة لإسرائيل، والتوجه نحو محاكمتها دولياً، بينما حذر “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، وهو جهة مقربة من القيادة الإسرائيلية، من مغبة الإقدام على ضم أحادي الجانب، بل يرى بفكرة الضم تقويضًا لحلم دولة إسرائيل الأساسي والقائم على كونها دولة يهودية وديمقراطية وآمنة وأخلاقية، تسعى للسلام مع جاراتها، وفي توافق مع هذا الرأي والتحذير. وفي توافق تام أيضاً، أعلن “منتدى سياسة إسرائيل” رفضه لخطة ترامب ولفكرة الضم أحد أهم مخرجات الخطة، معتبرًا إياها مساسًا خطيرًا بكل ما تم تحقيقه حتى الآن، واستمرار للوهم بإمكانية تحقيق السلام دون التنازل عن الضفة الغربية، وإعادة الخطاب الفلسطيني لفكرة الدولة الواحدة مع أغلبية عربية.

والسؤال ما العمل؟ في ظل حالة إنقسام داخلي فلسطيني برر لإسرائيل وبتفهم دولي عدم وجود شريك فلسطيني، وأضعف من قدرة الفلسطينيين للتعاطي مع السلوك الإسرائيلي ضمن رؤية إستراتيجية، وحد من أدوات الفعل الفلسطيني، ومن فرصة إحداث تشبيك وتجييش دولي ضاغط على إسرائيل. وكذلك ما العمل، في ظل غياب وربما تغيب لموقف قيادي فلسطيني أصبح متكلسًا أمام أي حراك يعيد الفعل الفلسطيني إلى أصله، وهو أن فلسطين محتلة، وأن إسرائيل دولة احتلال، بل أصبح رهينة رد فعل تقليدية حدودها معروفة ولا تتجاوز جملة من المفردات والتصريحات تنتهي من حيث بدأت.

إسرائيل تسعى من وراء فكرة الضم وبمساندة الولايات المتحدة، إلى إغتيال مستقبلنا، بل أخطر من ذلك، هي تريد كي الوعي الفلسطيني والعربي والدولي، من أجل إعادتنا لسيرتنا الأولى أننا فقط مجرد سكان محليين. فهل من ثمن يمكن أن يعيد لإسرائيل دراسة جدوى خطوتها الاحتلالية، وهل من طائر فينيق فلسطيني قادر على الخروج من تحت الرماد الإسرائيلي؟.. ننتظر قادم الأيام.