د. جهاد عبد الكريم ملكة يكتب: وقف العمل بالاتفاقيات مع إسرائيل.. بين الجدية والقدرة والعبث

 

بين سؤال الجدية وسؤال القدرة يتأرجح في أذهان الفلسطينيين على الأقل قرار قيادتهم غير المسبوق الذي يأتي على وقع التوترات المتصاعدة بينهم وبين إسرائيل، حيث أعلن الرئيس محمود عباس أنه “لن يرضخ للإملاءات وفرض الأمر الواقع على الأرض بالقوة الغاشمة وتحديدا بالقدس، وكل ما تقوم به دولة الاحتلال غير شرعي وباطل، لذلك قررت القيادة وقف العمل بالاتفاقيات المُوقعة مع إسرائيل”.

لا أحد يعرف حتى الآن ما هي الاتفاقيات المقصودة في إعلان عباس؟.. وربما هي تلك التي وصفت بالمؤقتة حين وقّع عليها الراحلان ياسر عرفات واسحاق رابين في البيت الأبيض قبل نحو 26 سنة، وكان من المفترض تتويجها في غضون خمس سنوات باتفاقية على قضايا الوضع النهائي لفلسطين التي تشتمل على حل لكل المشكلات الصعبة: الأمن والقدس واللاجئين الفلسطينيين والحدود والمياه، التي تم تأجيلها ومنع نقاشها (في محادثات أوسلو) والتي من المفترض أن تضع حداً للصراع المحتدم منذ سبعين عاماً، وتجعل من فلسطين التاريخية إلى واحة من التعايش السلمي بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، لولا أن الإسرائيليين تنصلوا سريعا من معظم إلتزاماتهم، بينما لم يجد الفلسطينيون خياراً في المقابل، غير مواصلة طرق الأبواب الدولية لمحاولة كبح جماح اسرائيل عن مواصلة ابتلاع ما تبقى لهم من أرض وحقوق في وطنهم.

وإذ تحاول القيادة الفلسطينية التي صبرت حتى عجز الصبر عن صبرها أن ترفع صوتها أخيراً، وبعد طول انتظار، ليعلو على دوي القنابل وهدير الجرافات، التي هدمت ما يقرب من 12 عمارة سكنية تضم عشرات الشقق في واد الحمص الذي يقع في بلدة صور باهر جنوب شرق القدس المحتلة، فإن أحدا لم ينس بعد قرارات مشابهة، سبق أن اتخذها المجلسان الوطني والمركزي قبل ثلاثة أعوام، بتعليق الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود العام 1967 ووقف التنسيق الأمني مع إسرائيل والانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها اتفاق باريس الاقتصادي، وبقيت هذه القرارات مجرد حبر على ورق أو في منأىً عن التنفيذ، حتى بعدما أوغلت حكومة بنيامين نتنياهو في أعمال الاستيطان والتهويد على أراضي الدولة الفلسطينية الموعودة ليتلاشى هذا الحلم الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

لكن السؤال الذي يشغل بال الفلسطينيين: هل الرئيس عباس جاد في قراراه بوقف الاتفاقيات مع إسرائيل؟!. وإن كان جادا هل يمتلك القدرة على تنفيذ ما اتخذ من قرارات؟. سؤال الجدية هنا لا ينفصل عن سؤال القدرة بقدر ما يتكامل معه نتيجة واقع عنيد يقول إن وجود السلطة الوطنية التي يقودها عباس هو بحد ذاته ثمرة، وان تكن مرة، للاتفاقيات المزمع إلغاؤها، ناهيك عن إنقسام الفلسطينيين على نحو شتت قوتهم طوال 13 سنة مضت ولايزال الانقسام سيد الموقف ومكمن الضعف الفلسطيني وقوة لأمرائه المستفيدين منه.

ويتزامن هدم المنازل في القدس ورد الفعل الفلسطيني عليه بوقف تنفيذ الاتفاقات المُوقعة مع إسرائيل، مع مقترحات أعلنت عنها إسرائيل، على لسان وزير مواصلاتها في حكومة نتنياهو، يسرايل كاتس، أنه طرح على مسؤولين عرب خلال زيارة له لإحدى العواصم العربية، مشروعا لربط السعودية ودول الخليج مروراً بالأردن بشبكة السكك الحديدية الإسرائيلية وميناء حيفا في البحر الأبيض المتوسط، وهدفها كما تدعي إسرائيل “تعزيز السلام” الإقليمي مع الدول العربية “السنية المعتدلة” وفق التعبير المحبب لإسرائيل، الأهم ان كل هذا التغول الإسرائيلي على الفلسطينيين أصبح في الحسابات الرسمية العربية أقل من أن يستدعي عقد قمة عربية طارئة أو اجتماع لوزراء الخارجية أو حتى إصدار بيانات الشجب والاستنكار المعهودة!.

خلاصة القول: القضية الفلسطينية أصبحت في خطر شديد، وأمراء الانقسام في بقايا الوطن منشغلين في فرض الضرائب وجمع الغنائم، والشعب جائع ومسحوق ويبحث عن لقمة عيشه من فضلات ما يُلقيها عليه “الأمراء المنقسمون”، ولا يعرف هذا الشعب أن الحل لمصيبته هو الانتفاض على المحتلين وأعوانهم من بني جلدته، فثوروا يرحمكم الله!.