د. جهاد عبد الكريم ملكه يكتب: صفقة ترامب.. ومشروع الغاز الإقليمي الحاضر في «ورشة المنامة»

 

شرق المتوسط، بحر يعوم على محيط من الغاز، هكذا وصف خبراء الجيولوجيا اكتشاف وجود الغاز في شرق البحر المتوسط والذي سيكون له تبعات جيوسياسية إقليمية ودولية، فحسب خرائط المسح الجيولوجي فإن منطقة شرق المتوسط التي تمتد من الساحل السوري واللبناني مرورا بساحل فلسطين المحتلة وصولا الى ساحل الدلتا في مصر يقع كنز من الغاز والنفط يقدر من 350 الى 700 ترليون متر مكعب من الغاز وقرابة 2 بليون برميل من النفط.

اصبح من الواضح الآن، أن فلسطين هي جزء من الصفقة وليست الصفقة كلها، ولأن هذه القضية عقبة في وجه تعزيز وتثبيت النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا في ظل التنافس على النفط والغاز الذي اشتد بعد فشل مشروع استخراج النفط الصخري من أراضي الولايات المتحدة، والذي كلف الولايات المتحدة ما يزيد على 400 مليار دولار، فوجدت الولايات المتحدة بعد اكتشاف الغاز شرق المتوسط بكميات هائلة أنه البديل الرخيص.. وقد أصبح من الأهداف المخفية من وراء طرح ما يسمى بصفقة العصر التي هي صفقة ترامب، وهي خطة أمريكية تستهدف القضية الفلسطينية من كل جوانبها.

هناك فهم مغلوط في الوسط العربي والفلسطيني بشكل خاص أن صفقة القرن مصممة فقط لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الا أن الحقيقة هي أن صفقة القرن مصممة لتوسع النفوذ الأمريكي الذي بدأ يتراجع أمام النفوذ الصيني والروسي في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي أحد المطبات أمام هذا التوسع هو القضية الفلسطينية، وبالتالي الإدارة الأميركية تستعجل حل هذه القضية على حساب الفلسطينيين من أجل الهدف الأكبر، وهو توسع النفوذ الأمريكي في مواجهة المد الصيني والروسي.

هناك حرب صامتة خفية تدور رحاها في شرق المتوسط، القليلون جدا ينتبهون لها، هذه الحرب السياسية مهمتها تحديد الحدود الجيوسياسية عبر خطة كبيرة اسمها صفقة القرن، هذه الخطة تحدد معالم كبيرة في العلاقات الدولية والإقليمية، وهي الآن بدأت تتبلور بشكل مختلف تماما مع ما هو معهود في السياسة الدولية، في هذه الخطة مؤشرات سياسية ومؤشرات اقتصادية ومؤشرات جيوسياسية وهناك مؤشرات في تحولات كبرى في السياسة الدولية. الأهم من ذلك هو أن نرى الاتجاه الأكبر أين يذهب، حيث أن الاتجاه الأعظم الآن في العالم يسير نحو تعظيم المصالح الاقتصادية، وبالتالي السياسة تمشي في هذا الاتجاه، لذلك فإن الإدارة الأميركية تحاول من خلال صفقتها الحفاظ على الأنظمة العربية المتحالفة معها ومع إسرائيل، وذلك من أجل مواجهة النفوذ الروسي والصيني وخاصة في الشرق الأوسط بعد أن تمدد هذا النفوذ في شرق المتوسط، وبالذات القاعدتين الرئيسيتين للروس في طرطوس واللاذقية في سوريا.

في العاصمة البحرينية المنامة ستعقد ورشة اقتصادية يومي 25 و26 يونيو/ حزيران المقبل، التي ستكون بمثابة الخطوة الأولى العلنية في سياق تنفيذ الشق الاقتصادي لصفقة القرن الأميركية، المعروفة إعلامياً باسم “صفقة القرن”. وللتحضير لهذه الورشة فإن كبير مستشاري الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، والمبعوث الأميركي للسلام في الشرق الأوسط جيسون غرينبلات، توصلا إلى تفاهمات مع قيادات دول خليجية على الخطوط العريضة لعدد من المشاريع الاقتصادية في المنطقة العربية، ومنها مشروع الغاز الإقليمي الذي ستشارك فيه كل من مصر والأردن وإسرائيل وقد تكون أحد المحفزات الرئيسية للفلسطينيين هو أن تتخلى إسرائيل عن بئري غاز لصالح قطاع غزة من أجل ضمان الهدوء، فحجم كميات الغاز الموجودة في شرق المتوسط هائلة جدا مع اقتصاد غزة والذي يبدو في الصورة العامة شيء بسيط مع الأرقام الخيالية المتداولة، فإسرائيل يمكن أن تستغني عن بئري غاز اذا أخذت ثمنا سياسيا، وبالتالي هذا الثمن سيحدث طفرة هائلة جدا في اقتصاد غزة الصغير وهذا ما سيتم عرضه في “الورشة الاقتصادية” التي تستضيفها المنامة، والتي ستشهد إعادة طرح مشاريع وخطط اقتصادية قديمة بثوب جديد، خاصة أنه سينتج عن هذه الورشة لجان فنية تقوم بصياغة ما يتم التوصل له من نتائج ليصل الى حد التطبيق.

الأيام القادم ستجيب عن سؤال كيف سيلعب غاز شرق المتوسط دور في صفقة القرن، هل سيكون حافزا اقتصاديا للصفقة؟.. وهل ستأخذه إسرائيل ضمن الصفقة أم ستتخلى عن جزء بسيط منه لصالح جيرانها؟.

* باحث مختص بالشأن الاسرائيلي