د. جهاد عبد الكريم ملكه يكتب: قراءة تحليلية في نتائج الانتخابات الإسرائيلية 2019

 

بعد اعلان النتائج النهائية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي ال21 وتعادل حزب الليكود مع حزب “كاحول لفان” ، ظهر بأن معسكر اليمين متقدم رغم نجاح حزب الجنرالات بقيادة غانتس والذي هو أصلا لا يفرق كثيرا عن الأحزاب اليمينية. وأظهر أيضا موت معسكر اليسار بقيادة حزب العمل وحزب ميرتس، لكن العامل الحاسم هنا سيكون الأحزاب اليمينية الصغيرة التي حصدت مجتمعة مع حزب الليكود 65 مقعدا في الكنيست من أصل 120 مقعدا ومن المتوقع ان تمنح نتنياهو دعمها وبذلك سيكون رئيس حزب الليكود بنيامين نتنياهو، هو القادر على تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادم، ولهذه النتائج ستكون العديد من الانعكاسات على الوضع في إسرائيل وفي فلسطين والمنطقة العربية برمتها.

أولا/ انعكاس نتائج الانتخابات داخليا

أما انعكاس فوز اليمين الإسرائيلي برئاسة نتنياهو على الوضع العام في إسرائيل واعلان رؤساء أحزاب اليمين وكتل الحريدييم عن دعمهم لنتنياهو والتوصية عليه لدى رئيس الدولة الإسرائيل بإلقاء المهمة عليه لتشكيل الحكومة المقبل، حيث أعلن رسميا رؤساء كل من “شاس” و”يهدوت هتوارة”، و”أتحاد أحزاب اليمين” و”كولانو” عن موقفهم بتوكيل نتنياهو تشكيل الحكومة، وهذا سيجعل نتنياهو في وضع قوي لتشكيل ائتلاف حكومي مع أحزاب يمينية أخرى تدعمه.

لقد كان الهدف الحقيقي لبنيامين نتنياهو من كل هذه الانتخابات في هذا التوقيت، يكمن في محاولة انتزاع شرعية شعبية وسياسية، لمواجهة المسار القضائي الذي ينتظره وقد يؤدي به إلى السجن حيث يحارب نتنياهو احتمال إدانته في ثلاث قضايا للكسب غير المشروع، لكنه ينفي ارتكاب أي مخالفة. وبعتبر ان إعادة انتخابه هو استفتاء على شخصيته وسجله في مواجهة اتهامات بالفساد. إلا أن الرجل المتشبث بالمنصب، يتوجب عليه تقديم تنازلات لجميع أحزاب اليمين دون استثناء، لضمان نيل ثقة الكنيست، بموافقة 61 عضوًا على توليفته الحكومية، وهذا سيجعله ضعيف الأداء ومشتت في اتخاذ القرارات المصيرية التي تهم الدولة.

ثانيا/ انعكاسها فلسطينيا:

رد الفعل الفلسطيني على نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المستوى الرسمي كان باستعداد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن للجلوس مع أي حكومة إسرائيلية تؤمن بالسلام على أساس القرارات الدولية وهذا لن يحدث لان نتنياهو لا يؤمن بالسلام وحل الدولتين. أما صائب عريقات قال إن الناخبين الإسرائيليين صوتوا بـ “لا للسلام” و”نعم للاحتلال”. فيما علق الأمين العام للمبادرة الفلسطينية مصطفى البرغوثي على نتائج الانتخابات الإسرائيلية بانها “انتهاء حل الدولتين وموت ما يسمى بمعسكر السلام داخل إسرائيل”، مضيفًا أن “التنافس يجري بين اليمين العنصري ويمين عنصري آخر، وكلاهما يسعى لترسيخ نظام الابرتهايد العنصري والاستعمار الاستيطاني”. بذلك ستستمر سياسات الاحتلال والعنصرية التي شهدناها في عصر نتنياهو وخاصة في سن قانون القومية الإسرائيلي العهام الماضي.

فيما تشير النتائج إلى أن الحكومة الإسرائيلية القادمة ستحمل صفة ”اليمينية المتطرفة“ مع وجود أحزاب متشددة تدعم نتنياهو في تشكيل الحكومة، لاستكمال الإجراءات التهويدية والاستيطانية على جميع الأصعدة، تحت غطاء الدعم الأمريكي السياسي المطلق لإسرائيل في النيل من الحقوق الفلسطينية. وأن إدارة نتنياهو للحكومة الإسرائيلية المرتقبة ستقطع الطريق بشكل كامل على أية فرص لنقاط التقاء في أي ملفات سياسية قادمة بين السلطة الفلسطينية واسرائيل مما سيكون له تأثير بشكل مباشر على القضايا الفلسطينية المختلفة، كملف التهدئة مع حركة حماس، وملف المصالحة الفلسطينية، والمفاوضات مع السلطة الفلسطينية، تزامنًا مع عزم الإدارة الأميركية على طرح ما يسمى بصفقة القرن. ان شعور نتنياهو بنشوة الانتصار سيدفعه لفرض سياسات أكثر تطرفا ضد الفلسطينيين، خاصة بعد أن حصلت الأحزاب اليمينية على أعلى نسبة تصويت داخل إسرائيل، ما يعزز عند نتنياهو بذل المزيد من التطرف واتخاذ خطوات أشد ضراوة تستهدف الحق الفلسطيني.

ولوحظ في فترة الدعاية الانتخابية أن نتنياهو تعمد تصعيد الخطاب السياسي في مواجهة الشعب الفلسطيني. وأعلن مرارا عن عزمه ضم المستوطنات في الضفة الغربية الى السيادة الاسرائيلية وهو ما يشكل ضربة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ونجح بذلك في سلب هذه الورقة من اليمين المتطرف، وحشر الطرف المنافس “أزرق ابيض” برئاسة بني غانتس، الذي يطرح خيارات سياسية مختلفة. نتنياهو لن يغير كثيرا في رؤيته السياسية، التي تشمل ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية للسيادة الإسرائيلية، وهذا كان عنوان دعايته الانتخابية، بالإضافة لتوجهاته فيما يتعلق برفض عملية التسوية مع السلطة الفلسطينية، وما يعزز ذلك هو الموقف الأمريكي الذي يستهدف السلطة الفلسطينية بعد أن رفضت الأخيرة وساطة أمريكا بأي مفاوضات بعد أن أعلنت بشكل واضح وقوفها التام إلى جانب إسرائيل. لذلك على السلطة الفلسطينية أن تفكر جديا في استراتيجية بديلة عن الاستراتيجية السابقة بعد أن تبين أن نتنياهو سيذهب الى سياسات اكثر عنصرية كما وعد ناخبيه بأنه سيعمل على ضم المستوطنات في الضفة الغربية بمباركة أمريكية، وآن الأوان للسلطة الفلسطينية ان تعيد النظر في مجمل الاتفاقيات والعلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي.

ثالثا/ انعكاسها على العلاقة مع حماس:

اعتراف نتنياهو بشكل صريح بأن الانقسام الفلسطيني هو مصلحة إسرائيلية، وأنه لن يعيد السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة، يؤسس لمرحلة انفصال حقيقي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ويعبر عن مدى استفادة إسرائيل من شتات الرأي الفلسطيني الذي لا يستطيع مجابهة أي قرارات إسرائيلية بحق القضية الفلسطينية، لذلك فان نتنياهو سيحرص على سياسة العصا والجزرة التي يتبعها مع حماس، على حساب تحقيق إنجازات يعتبرها أكثر أهمية في المرحلة الحالية كالملف الإيراني والملف السوري وملف التطبيع مع الدول العربية، لذلك فهو سيحرص على الهدوء النسبي لحين تحقيق اختراق في العلاقات الدولية وكذلك في ملف الجنود الأسرى لدى حماس.

رابعا/ انعكاسها عربيا واقليميا:

ان ما اقدم عليه رئيس الولايات المتحدة الامريكية دونالد ترامب من تقديم المنح والهدايات لنتنياهو كنقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة والاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ومن ثم قطع المساعدات عن الفلسطينيين وقطع كافة المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) والاعتراف بالجولان كأراضي إسرائيلية، وجميع هذه الإجراءات كانت مطالب إسرائيلية، والتي تعهد بها ترامب، هو ما أدى لتعزيز فوز نتنياهو برئاسة خامسة لمجلس الوزراء الإسرائيلي وبالتالي تسهيل تطبيق ما يسمي بصفقة القرن الامريكية والتي ستطرح قريبا ويهرول اليها بعض الدول العربية للتطبيع مع إسرائيل.