د. حسام الدجني يكتب: الانتخابات في القدس إلى أين؟

د. حسام الدجني

لا انتخابات بدون القدس، قالها الرئيس محمود عباس، فهل يختلف فلسطيني على ذلك؟ لا، فالكل الفلسطيني يؤمن بذلك، لا سيما بعد قرار إدارة ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لدولة إسرائيل.

إذاً على ماذا نختلف، ما هي أصل الحكاية؟

أصل الحكاية، أن الرئيس محمود عباس رفض مطالب الفصائل الفلسطينية بإجراء حوار وطني قبل إصدار المرسوم، فوافقت الفصائل على ذلك باستثناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي ترى ضرورة أن يسبق الحوار الوطني إصدار المرسوم، وعليه ما زالت الفصائل الفلسطينية تنتظر إصدار المرسوم الرئاسي للبدء بحوار وطني يضع كافة القضايا المتعلقة بالانتخابات على الطاولة، إلا أن الرئيس محمود عباس ربط إصدار المرسوم بموافقة إسرائيل على إجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس.

وهذا يطرح السؤال التالي: كيف جرت انتخابات عام 1996 – 2005 -2006 في القدس؟ وما هي أفضل السبل لتجاوز معضلة المرسوم الانتخابي إن صدقت النوايا في إجراء الانتخابات؟

أولاً: السياق القانوني للانتخابات العامة في القدس.

وفقاً لدراسة قام بإعدادها المركز الدولي للدراسات القانونية، فإن لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية تقسم القدس لمنطقتين:

  1. القدس الشرقية: تخضع هذه المنطقة لإدارة بلدية القدس، وتبسط إسرائيل سيادتها عليها، وتضم التجمعات السكانية والمناطق التالية: (العيسوية – السواحرة الغربية – باب الساهرة – جبل الزيتون – بيت المقدس – صور باهر- بيت جنينا – بيت صفافا – جبل المكبر – راس العامود – شيخ جراح – سلوان – وادي الجوز – شرفات – أم طوبا – مخيم شعفاط – الصوانة ). يقطن في هذه التجمعات السكانية، حسب تقديرات فلسطينية رسمية 298 ألف مواطن فلسطيني يحملون هوية زرقاء، 175 ألف منهم يحق لهم الاقتراع في الانتخابات العامة الفلسطينية.
  2. ضواحي القدس: 30 تجمعا سكانيا يعيش فيها 164 ألف نسمة يحملون الهوية الفلسطينية، 94 ألف منهم يحق لهم الاقتراع في الانتخابات الفلسطينية العامة، وهذه التجمعات السكانية تقع خارج حدود القدس وتخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية وتصنف ضمن المناطق (ج) وينطبق عليها في الانتخابات ما ينطبق على سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن هذه المناطق: ( أبو ديس – الخان الأحمر –الجديرة – الجيب – الرام وضاحية البريد – السواحرة الشرقية – الزعيم – الشيخ سعد – العيزرية- النبي صموئيل – بيت إكسا – بيت سوريك – بيت عنان – بير نبالا – بيت إجزا – بيت حنينا البلد – مخيم قلنديا إلخ..)

نظمت اتفاقية أوسلو 1993 لا سيما ( المادة 3 ) منها عملية الانتخابات، واستكملت اتفاقية طابا وضع ملحق خاص لتنظيم العملية الانتخابية عام 1995م، وبموجبه جرت أول عملية انتخابية عام 1996م وجرت الانتخابات الرئاسية عام 2005م، والانتخابات التشريعية عام 2006م، إلا أن الانتخابات التشريعية عام 2006م تختلف عن سابقاتها بأن قانون الانتخابات رقم 9 لعام 2005م لم يشر إلى الاتفاقية المرحلية التي جرت عليها الانتخابات السابقة.

ثانياً: السياق التاريخي للانتخابات العامة في القدس.

جرت في القدس ثلاثة انتخابات في الأعوام: (1996 – 2005 – 2006)

  • انتخابات عام 1996:

جرت الانتخابات العامة الفلسطينية (الرئاسية والتشريعية) عام 1996م وفقاً لما جاء في الملحق الثاني من اتفاقية المرحلة الانتقالية، والتي خصصت (المادة 6) ترتيبات إجراء الانتخابات في القدس، والتي حددت أماكن الاقتراع في القدس الشرقية في مكاتب البريد الإسرائيلية وعددها خمسة مكاتب تضم 11 محطة اقتراع، قدرتها الاستيعابية 5367 ناخباً باليوم الواحد، ورغم البيئة السياسية التي كانت سائدة عام 1996م إلا أن إسرائيل أطلقت سلسلة من الشائعات التي ساهمت في الحد من نسبة المشاركة السياسية في الانتخابات، حيث بلغ عدد من اقترعوا في القدس الشرقية وضواحيها 34 ألف ناخب من أصل 80 ألف بنسبة مشاركة وصلت إلى 42 %.

  • الانتخابات الرئاسية الثانية عام 2005:

صدر مرسوم الانتخابات الرئاسية عام 2004م، وبدأت لجنة الانتخابات عملية تسجيل الناخبين في القدس، وافتتحت ست مراكز تسجيل، فقامت قوات الاحتلال بمداهمة هذه المقرات واعتقال موظفي اللجنة، وأوقفت عملية التسجيل وأغلقت المقار بأوامر عسكرية، هذه الاجراءات استفزت المجتمع الدولي الذي بدأ بالتحرك والضغط على دولة الاحتلال، حتى رضخت لتلك الضغوط وبدأت اجراءات العملية الانتخابية وفقاً للمادة (رقم 6) مع إضافة مكتب بريد صور باهر، لترتفع القدرة الاستيعابية من (5367-6000) ناخب.

اللافت للنظر أن لجنة الانتخابات أبدعت في انتخابات الرئاسة لمواجهة التغول الإسرائيلي، فأطلقت حملة لتسجيل الناخبين في منازلهم، ومددت عملية التسجيل حتى يوم الاقتراع، فأفسدت على الاحتلال مخططاته بإفشال العملية الانتخابية بالقدس.

  • الانتخابات التشريعية عام 2006:

رغم أن قانون الانتخابات رقم 9 لعام 2005 لم تشر أي من بنوده إلى مرجعية الاتفاقية المرحلية في إجراء الانتخابات بالقدس الشرقية، وهو ما استفز إسرائيل، التي رفضت في بادئ الأمر إجراء الانتخابات في القدس الشرقية إلا عبر الاحتكام لنصوص الاتفاقية، إلا أن إصدار المرسوم الرئاسي ساهم في تجنيد المجتمع الدولي للضغط عليها لإجراء الانتخابات في القدس، وفعلاً جرت الانتخابات التشريعية بالقدس الشرقية وفق ترتيبات انتخابات 2005م بـ6 مكاتب بريد بواقع 12 محطة انتخابية قادرة على استيعاب أقل من 5% من احتياج المقدسيين إلا أن لجنة الانتخابات المركزية افتتحت 14 مركز انتخابي في ضواحي القدس يضم 54 محطة لتجاوز التحدي التي وضعه الاحتلال لإفشال التجربة الديمقراطية.

وحسب إحصاءات لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية بلغ عدد من يحق لهم الاقتراع في الانتخابات التشريعية لعام 2006م ما يقارب 120 ألف ناخب، ونتيجة إجراءات الاحتلال شارك في الانتخابات التشريعية 2006  فقط 3006 ناخب أي ما نسبته 3.6% .

الخلاصة: نحن نجني ما زرعته أيدينا كفلسطينيين، فعندما وقعنا اتفاق أوسلو أقرينا بشكل مباشر أو غير مباشر على سيادة إسرائيل على القدس الغربية والتي تشكل ما نسبته 84% من مساحة القدس التاريخية، وبدأت إسرائيل تلاحقنا فيما تبقى من القدس، ويساندها في ذلك الموقف الأمريكي في انقلاب واضح على كافة الاتفاقيات، وبما أن السياق التاريخي والقانوني للانتخابات بالقدس الشرقية واضح وقائم على التحدي، فإن إصدار المرسوم والبدء بعملية نضالية حقيقية بغض النظر عن شكل العملية الانتخابية بات ضرورة وطنية وأخلاقية، لعل وعسى أن تحدث الانتخابات ثغرة في حائط الانقسام الذي أضاع القدس والقضية الفلسطينية.