د. حسام الدجني يكتب: الخيارات العملية لمواجهة صفقة القرن

 

توافق وطني كامل على رفض صفقة القرن، هذا ما أعلنته كافة القوى الوطنية والإسلامية، وأعلنه بشكل واضح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهذا جيد من الناحية النظرية، وبما أن المتتبع للسلوك الصهيو أمريكي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يخلص إلى أن صفقة القرن تسير نحو التطبيق دون الحاجة الكبيرة للفلسطينيين، وهذا ما تؤكده الأحداث على الأرض، فمن قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ثم تقليص دعم الولايات المتحدة للأونروا، وصولاً إلى الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، وليس انتهاءً عند التسريبات التي تتحدث عن توطين اللاجئين في البلدان التي يقيمون بها، وحصول قطاع غزة على جزء من سيناء، وضم أجزاء من الضفة الغربية لإسرائيل، والإقرار من طرف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية عليها.
وحتى نخرج من السياق النظري والوصفي للأحداث، فإن أهم الخطوات العملية التي من الممكن أن تعمل الأطراف الفلسطينية على تحقيقها هي:
1. وحدة الموقف الفلسطيني، وأقصر الطرق لذلك أن يقوم الرئيس محمود عباس بدعوة الأمناء العامون للفصائل الفلسطينية، وبعض النخب الفكرية ومؤسسات المجتمع المدني المؤثرة إلى لقاء تشاوري لوضع استراتيجية وطنية تعبر عن الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم لمواجهة صفقة القرن.
2. يجب أن تنطلق الاستراتيجية الوطنية ضمن مجموعة من المرتكزات أهمها:
• تآكل حل الدولتين في ظل السياسة الاستيطانية التي تنتهجها إسرائيل، فالاستيطان في تزايد حتى وصلت نسبته في مناطق (ج) بالضفة الغربية 42%، والوضع الراهن للقدس الشرقية أسوأ من الضفة الغربية، حيث يحاصرها الاستيطان والتهويد من كل جانب، وتمارس إسرائيل سياسة ترانسفير وتهجير لا تقل خطورة عن نكبة عام 1948، أو نكسة حزيران 1967، فـهي ماضية في تهجير السكان العرب وفي تغيير معالم المدينة المقدسة، وما نتحدث به ليس في القدس الغربية، والتي بلغت تركيبتها السكانية من اليهود وغير العرب 99.1%، وإنما نتحدث عن القدس الشرقية التي نصت العديد من قرارات الشرعية الدولية بأنها عربية فلسطينية، ولكن إسرائيل وبمساندة من حلفائها الغربيين عملت وما زالت تعمل على تغيير الوقائع على الأرض، من خلال زيادة ملحوظة في وتيرة الاستيطان، وبناء الوحدات الاستيطانية، ومخططات عديدة تقوم بها بلدية القدس لطمس معالمها، ويضاف لذلك الحملة المسعورة لحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى للبحث عن هيكلهم المزعوم، وهذا من شأنه تحت أي ظروف طبيعية قد تحدث في مدينة القدس أن ينهار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة. أما الأخطر من ذلك كله ما ذهبت إليه دراسة للدكتور أحمد دحلان بعنوان” الصراع الديمغرافي الإسرائيلي – الفلسطيني في مدينة القدس.. “دراسة جيبوليتيكية”، وأهم ما جاء بها “أن إسرائيل نجحت في تغيير التركيبة السكانية في شرقي القدس، إذ بلغت نسبة اليهود 40.7% مقابل 59.3% للسكان العرب في عام 2010، وفي المقابل مارست سياسة التطهير العرقي في غربي القدس التي شكل اليهود وآخرون 99.1% من جملة سكانها. وأظهرت الدراسة انخفاضاً ملحوظاً في الخصوبة الكلية عند المرأة العربية من 4.51 مولود حي للمرأة في عام 2001 إلى 3.92 مولود حي في عام 2010، وفي المقابل ارتفع معدل الخصوبة الكلية للمرأة اليهودية من 3.69 مولود حي إلى 4.17 مولود حي خلال نفس الفترة.
• المقاومة مشروعة بكل أشكالها، على أن يكون القرار في استخدام شكل من الأشكال بالتوافق ووفق فقه المصلحة الوطنية.
• السلطة أو الدولة تحت الاحتلال عبء على انجاز المشروع الوطني التحرري.
• التحرر من المال السياسي ويتم ذلك عبر اعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وبناء اقتصاد مقاوم، وتحفيز الدول العربية والإسلامية على الدعم المالي لفلسطين.
ضمن تلك المرتكزات وغيرها من الممكن تحديد ملامح الاستراتيجية الوطنية والتي تتقاطع بشكل كبير مع مخرجات المجلس المركزي، وما على القيادة الفلسطينية سوى التنفيذ، ووفق لمخرجات تلك الاستراتيجية ممكن أن تتبلور مجموعة من الافكار وهي قابلة للنقاش من الممكن أن تخلط الأوراق بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة وبذلك يتم التراجع عن صفقة القرن، على سبيل المثال الإعلان عن انهيار حل الدولتين وهو ما يعني ضمنياً تحرر قيادة منظمة التحرير من كافة اتفاقياتها مع إسرائيل، وتبني خيار الدولة الواحدة الديمقراطية لكل مواطنيها، وعليه تتحمل دولة الاحتلال مسئولية كافة السكان ويبدأ شعبنا مرحلة من النضال الشعبي السلمي لتحقيق هذا الهدف.
إن أكثر ما تخشاه إسرائيل هو المعركة الديموغرافية بين العرب واليهود، وهي معركة خاسرة بالنسبة لها، وعليه لن تقبل في خيار الدولة الواحدة الديمقراطية، ولكن عدم قبولها سيعكس صورتها الحقيقية أمام من تبقى ممن يؤمنون بديمقراطية دولة الاحتلال، وهو ما يشكل فرصة في زيادة كلفة الاحتلال ودفعه لاتخاذ قرارات تضغط من خلالها على الولايات المتحدة وبذلك دفع عجلة السلام والاستقرار نحو الأمام وهذا لن يكون دون تراجع ترامب عن صفقة القرن والتعاطي بموضوعية مع الملف الفلسطيني.
Hossam555@hotmail.com