د. حسام الدجني يكتب: جدلية التطرف في ستين دقيقة

ستون دقيقة مدة الفيلم الوثائقي الذي عرضته قناة الجزيرة القطرية وتناول قضية التحولات الفكرية التي شهدها المجتمع المصري بعد ثورة يناير/2011م.

ما يلفت الانتباه، وأنت تشاهد هذا العمل الوثائقي قدرة المادة المصورة في جذب المشاهد، بل تجاوز الأمر أن الفيلم يشعرك برغبة ملحة لتكرار مشاهدته، فيا ترى لماذا…؟

قد يكون السبب الرئيس أن محتوى الفيلم يعبر عن جدلية فكرية تدور في وجدان ليس الشعب المصري وفقط، بل كافة الجماهير العربية، وهو ما يستدعي من كافة النخب وعلماء الدين والاجتماع السياسي أن يقفوا أمام محتوى الفيلم والقضية التي يناقشها، والعمل على تحويلها من تهديد للهوية إلى فرصة للتحول الإيجابي عبر معالجة الأخطاء التي تدفع الناس للتطرف، بغض النظر اتجاه التطرف هل هو إلحاد أم تطرف باتجاه العنف وحمل السلاح.

لفت انتباهي ثلاثة مشاهد: الأول ظلم النظم السياسية، وهنا أتحدث عن كافة النظم السياسية بغض النظر هوية وأيديولوجية الحاكم، وكيف لهذا الظلم الذي يترجم عبر غياب القانون وانتشار التعذيب وانتهاك حقوق وآدمية الإنسان، وأثر ذلك على توجهات الجماهير.  

المشهد الثاني: توظيف الدين في خدمة الأهداف السياسية، فتأتي الصدمة عندما يمارس رجل الدين الحكم، ويسقط في مغرياته وتعقيداته، فيصل البعض لقناعة بأن الدين هو المشكلة بينما الأصل أن الممارسة السياسية للحركات الإسلامية هي أصل المشكلة ومن هنا تأتي الصدمة للرأي العام، أن إدارة الحكم لا علاقة لها بالدين، كما يحاول البعض أن يربطها ويصورها.

المشهد الثالث: علماء السلطان وتكييف الدين لخدمة النظام السياسي الحاكم، فتصل في نهاية المطاف أن الحلال والحرام متغير وفق أولويات الحاكم وتوجهاته، وليس وفق منهج قال الله وقال الرسول، وحالة التناقض هذه تأخذ البعض نحو الالحاد نتيجة تآكل تدريجي للقناعة بعلماء الدين، وصولاً إلى التشكيك في الدين نفسه، ومن رحم ذلك يولد الملحدون. والبعض قد يذهب باتجاه العنف بأشكاله المختلفة للدفاع عن الدين، وفي كلا الحالتين المتضرر الرئيس الدين والوطن.

إن المطلوب من العلماء وشيوخ السلطان، وحركات الإسلام السياسي، ودعاة الليبرالية والعلمانية والاشتراكية، والأنظمة السياسية في كافة بلداننا العربية والإسلامية، الالتفات إلى ظاهرتي العنف والإلحاد، وحالة التحول الفكري داخل المجتمعات التي تقتات من غياب العدالة الاجتماعية والقانون واحترام آدمية الإنسان وحقوقه المشروعة، فلا يمكن حل تلك المشاكل دون التفكير في جذر المشكلة وهي أنتم، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الفكر السياسي الإسلامي، ومراجعة ما كتبه الآخرون استناداً إلى الأصل وهو القرآن والسنة، والانتباه لسلوك العلماء وتوظيف الدين في الوصول إلى السلطة، فمن أكثر ما يؤدي إلى العنف والالحاد ما يلي، وما أكثرها في مجتمعاتنا:

  1. شيخ يصعد المنبر، ويحدّث الجماهير عن الصبر والصمود وتحمّل مشقة الحصار، والصبر على الحاكم وعدم الخروج عليه، في المقابل يرصد المصلين سيارته الفاخرة، وحرسه الأنيق، وراتبه الكبير، ووظائف أولاده الرفيعة، ويشم الفقراء رائحة طعامه اللذيذ التي تفوح من نوافذ منزله الجميل.
  2. حركة إسلامية تصل إلى سدة الحكم، ولا تحكم بالإسلام، وتمارس الفساد، ولكنها تستخدم الدين لترسيخ أركان الحكم وكأنها تحكم بأمر الله.
  3. حركة ليبرالية علمانية، قادتها يديرون الحكم ولا يطبقون من ليبراليتهم سوى ربطة العنق الجميلة، والكلام المنمق، بينما يمارسون أسوأ أشكال الديكتاتورية والتسلط والفساد، والتحايل على القانون وقيم العدالة خلال إدارتهم للحكم.
  4. الظلم وغيب العدالة الاجتماعية لدى الشعوب أحد أهم أسباب العنف والتطرف والهجرة وكافة الأمراض المجتمعية، وهنا لا نخص أيدولوجية فالأغلب يمارس ذلك كان إسلامياً أو ليبرالياً أو شيوعياً، فواضح أن المرض موجود في الجين العربي، وعلاجه بحاجة إلى وقفة وتأمل مستفيدين من التجربة الأوربية التي تحولت فكرياً وأصبحت في مصافي الدول المدنية الحديثة.

Hossam555@hotmail.com