د. حسام الدجني يكتب: طالبان وحماس والدوحة

د. حسام الدجني

تشهد العاصمة القطرية الدوحة اليوم مراسم توقيع اتفاق سلام بين حركة طالبان الأفغانية من جانب والولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الأفغانية من جانب آخر، جوهر الاتفاق يقضي بتوفير المناخ والبيئة المناسبة التي تعيد الأمن والاستقرار والازدهار لأفغانستان، وانسحاب القوات الأمريكية وحلفائها من أفغانستان.

يوم تاريخي للشعب الأفغاني في حال نجح هذا الاتفاق، كونه سينقل أفغانستان من الحرب إلى السلام والاستقرار والازدهار، ولا أحد على هذه المعمورة لا يحب أن يعيش في بيئة مستقرة ومزدهرة، وليس المسألة الأفغانية هي جوهر هذا المقال، ولكن هناك تقاطعات ينبغي التوقف عندها وإثارتها للرأي العام وهي:

  1. مقارنة بين تجربة التفاوض بين طالبان ومنظمة التحرير الفلسطينية.
  2. الدوحة واحتضان حركتي طالبان وحماس.

 

أولاً: مقارنة بين تجربة التفاوض بين طالبان ومنظمة التحرير الفلسطينية.

بعيداً عن اختلاف البيئة والظروف ما بين أفغانستان وفلسطين، إلا أن تجربة التفاوض التي قادتها حركة طالبان الأفغانية برئاسة كبير المفاوضين شير محمد عباس ستانيكزاي جديرة بالاهتمام والتوقف والتأمل والتحليل، وممكن أن نرصد ثلاثة سمات ساهمت في نجاح الاتفاق وهي:

  1. حركة طالبان فاوضت الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية وهي تضغط على الزناد، وتحتفظ بكامل سلاحها، وهو ما يدعم مقولة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إن السلام بحاجة لقوة تحميه.
  2. وحدة الموقف التي تتمتع بها حركة طالبان، وحجم الالتزام التنظيمي ستساهم في نجاح الاتفاق، فمخالفة الأوامر لدى حركة طالبان كما تقول في أدبياتها وفكرها السياسي يعتبر من أكبر الكبائر التي لن تغتفر، وما يعكس هذا المؤشر ما حدث مع رئيس المكتب السياسي السابق في قطر طيب آغا عندما خالف أمراً واحدًا وهو أنه رفض مبايعة أميرهم أختر محمد منصور (الملا منصور) فكان قرار طالبان الطرد من المكتب السياسي، ورغم إعلان طيب آغا بيعته للأمير الحالي هبة الله أخند زاده، إلا أن حركة طالبان رفضت بيعته.
  3. حجم الخسائر لدى جميع الأطراف ساهم في ترسيخ قناعة لدى الجميع بضرورة الحل، فإدارة الرئيس الأمريكي ترامب التي ستذهب لانتخابات في نوفمبر المقبل تريد عودة جنودها سالمين وليس في أكفان حتى يتمكن ترامب من زيادة فرص فوزه بولاية ثانية، والشعب الأفغاني يدفع الفاتورة منذ سنوات طوال، كل ذلك ساهم في مزيد من المرونة والبراغماتية في التفاوض التي توجت بالنجاح.

المقارنة بين تجربة التفاوض بين أطراف الأزمة الأفغانية وبين تجربة التفاوض الفلسطينية جديرة بالاهتمام، أتوقف هنا عند مقولة الرئيس الراحل ياسر عرفات في الأمم المتحدة: “جئتكم أحمل غصن الزيتون في يدي، وبندقية الثائر في يدي الأخرى فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدى”. هذه المقولة هي ترجمة للسلوك النضالي للشعب الفلسطيني على مدار تاريخه، وهي تحاكي كافة تجارب حركات التحرر في التاريخ المعاصر من فيتنام إلى الجزائر إلى جنوب إفريقيا، والقائمة تطول.

بعد استشهاد ياسر عرفات وتقلد الرئيس محمود عباس مقاليد الحكم دخلت تجربة التفاوض الفلسطينية مرحلة جديدة قائمة على مبدأين: رفض العسكرة، والتنسيق الأمني مقدس، وهو ما ساهم في زيادة الاستيطان والتهويد والحصار، ثم جاء الانقسام ليضعف الحالة الوطنية الفلسطينية، انقسام داخل حركة فتح نفسها وانقسام بين فتح وحماس، كل ذلك ساهم في إيجاد البيئة المناسبة للإعلان عن ولادة جنين جديد اسمه صفقة القرن يهدد الوجود الفلسطيني.

وعليه ثمة فرق كبير بين كبير المفاوضين لحركة طالبان شير محمد عباس ستانيكزاي وكبير المفاوضين الفلسطينيين د. صائب عريقات، هذا الفرق لا يتحمل عريقات المسئولية لوحده بل كامل مكونات النظام السياسي الفلسطيني ولكن بنسب متفاوتة.

ثانياً: الدوحة واحتضان حركتي طالبان وحماس.

بعض التقاطعات مثيرة للاهتمام، وأهم هذه التقاطعات هي:

  1. الولايات المتحدة تصنف حركتي حماس وطالبان ضمن الحركات الإرهابية، وقطر تستضيف كلا الحركتين في ظل علاقات استراتيجية تربط الدوحة بالولايات المتحدة.
  2. الولايات المتحدة جلست مع طالبان المصنفة إرهابيًا.. فهل ستجلس مستقبلاً مع حماس وفق المعادلة السابقة.

 

هذه التقاطعات مثيرة جدًا، ولعل تسوية الملفات في الشرق الأوسط بات مصلحة كل الأطراف في هذا التوقيت، ولا أعتقد أن إنهاء أزمة أفغانستان قد تلقى معارضة من أي طرف إقليمي أو دولي، فهناك العديد من التحديات التي بدأت تظهر تُغيّر من الأولويات، فمن أزمة المناخ إلى أزمة وباء الكورونا، إلى الأزمة الاقتصادية العالمية التي تهدد كيانات سياسية في العالم، كلها تجعل من فكرة تسوية الصراعات أكثر ترجيحًا من تأجيجها، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس بعيدًا عن بؤرة الأحداث فهو في قلبها، لكن الإدارة الأمريكية الحالية هي من قضت على أي بارقة أمل في إنهاء هذا الصراع بإعلانها عن صفقة القرن المنحازة بالكامل لدولة الاحتلال، وعليه فإنني وفق المصفوفة السابقة لا أستبعد أن تلعب قطر دورًا مهمًا في المرحلة المقبلة يقضي بتقارب بين حماس والولايات المتحدة ولكن لن يكون ذلك في زمن  إدارة ترامب، وعليه فإن العين الآن على هوية المرشح الديمقراطي الذي سينافس ترامب وفرص فوزه.

 

HOSSAM555@HOTMAIL.COM