د. سفيان أبو زايدة يكتب: حكومة ضم الضفة وتنويم غزة

بعد مخاض عسير استمر حوالي سنة و نصف، وبعد ثلاث جولات انتخابية طاحنة، نجح نتنياهو المتهم بثلاث قضايا فساد في تشكيل أضخم حكومة في إسرائيل بالشراكة مع زعيم أزرق أبيض بيني غانتس بعد أن فشلت كل المحاولات القانونية والقضائية والشعبية إزاحته عن المشهد.
نجح نتنياهو في تشكيل حكومة من خمسة وثلاثين و زيراً و ستة عشر نائب وزير بعد أن تم اختراع وزارات جديدة أثارت سخرية الكثيريين،حيث تقدر تكلفة كل وزير بخمسة ملايين شيكل في السنه و تكلف وظيفة كل نائب وزير حوالي ثلاثة ملايين شيكل في السنة في ظل ارتفاع نسبة البطالة نتيجة أزمة كورونا حيث وصل عدد العاطلين عن العمل في إسرائيل إلى مليون ونصف إنسان.
نتنياهو حرص على إرضاء من يسحجون له من قيادات الليكود بغض النظر عن حجم قوتهم داخل الحزب واستبعد كل من اعتقد أنه سيخذله أو يعارضه أو لا يدافع عنه كما يجب في ظل اتهامه بالفساد.
هكذا استبعد نتنياهو على سبيل مثال جدعون ساعر رغم شعبيته داخل الليكود واستبعد تساحي هنقفي وافي ديختر رئيس الشاباك السابق رغم أماكنهم المتقدمه في قائمة الليكود، ووضع سحيجته في أماكن مضمونه ومتقدمه مثل أمير أوحنا الذي عينه وزيرا للامن الداخلي و ميري ريغف كوزيرة للمواصلات واخترع و زارة جديدة مثيرة للسخرية لزئيف ألكن أسماها “وزارة التعليم العالي و مصادر المياه“، واستحدث وزارة لسحيجة أخرى وهي تسيفي حوطوفيلي أسماها وزارة الاستيطان.
أحد الاعتبارات التي اخذها نتنياهو في الحسبان هي بدء محاكمته التي من المفترض أن تكون الاأسبوع القادم حيث سيحتاج لكل هؤلاء للوقوف إلى جانبه إعلاميا و معنويا على الاقل رغم أن مستقبله السياسي على الارجح قد تم حسمه بعد انتهاء ولايته كرئيس وزراء بعد عام و نصف واستلام غانتس بدل منه، حيث بعد نهاية فترة هذه الحكومة الذي يتزامن مع محاكمته أما أن يتوصل إلى صفقه مع النيابه لا تدخله السجن أو يتم إدانته وإدخاله السجن. في كل الحالات التقديرات هي أن عهد نتنياهو سينتهي بعد هذه الفترة وهذه ستكون آخر حكومة له.
على أية حال، كل هذه التحالفات والصراعات الداخلية لا تعنينا نحن الفلسطينيين، ما يعنينا هو ما هي السياسة التي ستعتمدها هذه الحكومة تجاه الشعب الفلسطيني و قضيته وأرضه خلال الثلاث سنوات و نصف القادمة. كيف سيتم التعامل مع السلطة في الضفة و التهديدات بضم المستوطنات و الأغوار؟ وكيف ستتعامل هذه الحكومة مع حماس في غزة أو مع ملف غزة بشكل عام؟
أولا: ضم أجزاء من الضفة الغربية
في الاتفاق الموقع بين غانتس ونتنياهو كان هناك جدل بين الاثنين حول التكتيك و التوقيت و الشروط التي يجب ان تأخذها الحكومة في تعاملها مع التوجه بضم أجزاء من الضفة الغربية وتطبيق القانون الإسرائيلي عليها.
غانتس الذي لا يختلف كثيرا من حيث المبدأ عن نتنياهو أراد أن تكون الخطوات منسقه مع الإدارة الأمريكية و جزء من تطبيق صفقة ترامب وأن تأخذ بعين الاعتبار الوضع الإقليمي و الدولي و انعكاس ذلك على وضع السلطة والعلاقة مع الفلسطينيين.
نتنياهو ولاعتبارات أيديولوجية و سياسية أراد أن تكون الصيغة واضحة في الاتفاق وهي ضم الأغوار و تطبيق القانون الإسرائيلي و ضم أجزاء من المناطق المصنفة (سي).
في النهاية المفاوضات بينهما وكجزء من اتفاق هو الاكثر تعقيدا في تاريخ تشكيل الحكومات الإسرائلية نتيجة انعدام الثقة بين الطرفين تم التوصل إلى صيغة معقدة ترضي الطرفين، جوهر هذه الصيغة أن مشروع الضم سيتم عرضه على الكنيست في مطلع يوليو المقبل وأن غانتس لا يحق له الاعتراض على ذلك بعد التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.
في كلمته أمس أمام الكنيست تعمد نتنياهو الحديث عن ضم المستوطنات و تطبيق القانون الإسرائيلي عليها بعد التأكيد على أنها أرض الأباء والأجداد ولن يتركوها أبدا، وبعد أن تفاخر بأنه هو بمجهوده الشخصي وعلاقته مع ترامب استطاع الحصول على هذا الإنجاز العظيم. مع ذلك لم يذكر الأغوار في كلمته، بالتأكيد لم يغفل عن ذلك، بل التقديرات أنه استمع الى نصيحة الأمريكان بتخفيف حدة الحديث عن ضم الاغوار بعد الرسائل النارية التي ارسلها جلالة الملك عبد الله الثاني و التي حذر فيها من التداعيات الخطيرة لضم الضفة و خطورة انهاء حل الدولتين.
لذلك، ليس من المؤكد ان يتم تقديم مشروع الضم في مطلع يوليو، حيث هناك اعتبارات كثيرة ستأخذ بالحسبان أهمها الموقف الأمريكي وبالتحديد الرئيس ترامب. ما هو أكيد أن مشروع كضم وضم الضفه الغربية بشكل تدريجي لكن بوتيرة أسرع مستمر وخطوات تعزيز الاحتلال مستمرة حيث يتصرفون وكأن السلطة غير موجوده ويفعلون كل ما يريدون، تماما كما كان الوضع قبل العام ٩٤، يتصرفون و كأنه لا توجد سلطة فلسطينية قائمة وكأنه لا توجد اتفاقات سياسية تنظم العلاقة بين الطرفين.
الاعتقالات اليومية وهدم البيوت ومحاصرة القرى والمخيمات إذا لزم الأمر واستمرار الاستيطان ومصادرة الأراضي، ومصادرة أموال الشعب الفلسطيني في سياق المعركة على رواتب الأسرى والتي كان آخرها الطلب من البنوك بإلغاء حسابات الأسرى وذوي الشهداء من خلال أمر صادر عن الحاكم العسكري (ليهودا و السامرة). كل هذا نماذج للممارسات التي تمارس في وضح النهار دون الإعلان رسميا عن عودة الاحتلال وإلغاء الاتفاقات ودون تحمل أي مسؤلية كقوة محتلة.
مع ذلك و بعد أن نجح نتنياهو في تشكيل الحكومة و انتهى خيار الانتخابات الرابعه والحاجة إلى الخطابات الشعبوية وفي ظل وجود وزراء أكثر عقلانية وأقل تطرفا، والأهم من ذلك وجود حزبا يمينيا ممثلا بنفتالي بينت وإيلت شاكيد خارج الحكومة، مما يخفف الضغط عن نتنياهو عند اتخاذه القرارات، كل هذه العوامل ستجعله أقل ضغطا في اتخاذ القرارات رغم إغراءات المرحله المتمثل في ضعف السلطة الفلسطينية و انقسام الفلسطينيين على أنفسهم.

ثانيا: السياسة تجاه غزة
بعكس الجدل العلني حول مستقبل الضفة الغربية والحرص على أن يكون هناك اتفاق بين الطرفين على طبيعة السياسة التي يجب أن تتبع خلال المرحلة المقبلة، لم يشمل الاتفاق أي بند يتعلق بقطاع غزة. ليس لأن الأمر غير مهم ولا يشكل إزعاج لهم، بل ربما ناتج عن إدراك وتجربة كل الأطراف بأن لا حلول سحرية لديهم وأن الحل الأمثل هو تنويم ملف غزة وأن سياسة إطفاء الحرائق عند اشتعالها هي السياسة الأقل تكلفه في ظل عدم وجود استراتيجية واضحه.
مع ذلك سيجلس على طاولة الحكومة الإسرائيلية من يعرفون غزة جيدا ولهم تجارب تكفيهم لعدم الإقدام على قرارات متسرعه.
سيجلس على طاولة الكابينت الإسرائيلي خلال المرحلة المقبلة اثنين من رؤساء الأركان السابقين، الأول بيني غانتس وزير الدفاع ورئيس الوزراء المقبل، وهو الذي أشرف على عدوان ٢٠١٤ كرئيس للأركان، والثاني هو غابي اشكنازي الذي تم تعيينه وزيرا للخارجية ووفقا للاتفاق سيصبح وزيرا للدفاع بعد أن يشغل غانتس منصب رئيس الوزراء، اشكنازي هو أيضا كان رئيسا للأركان في أول عدوان على غزة عام ٢٠٠٨/٢٠٠٩، إضافة إلى جنرال ثالث يعرف غزة جيدا وهو يوآف غلنت الذي عين وزيرا للتعليم، غلنت شغل منصب قائد القوات في المنطقة الجنوبية للجيش وهو الذي قاد الجيش في عدوان ٢٠٠٨.
بعيدا عن التصريحات النارية خلال الحملات الانتخابية، خاصة من قبل غانتس و تعهداته بالقضاء على (الإرهاب) واقتلاعه من جذوره. التقدير أنه لن يكون هناك تغيير جوهري في السياسة الأمنية والعسكرية والسياسية المتبعه تجاه غزة، وإن حدث تغيير سيكون نحو تخفيف طفيف للحصار.
لكن هذا الأمر يتعلق بعوامل عديدة وتطورات وأحداث قد تؤثر على هذه السياسة.
مع ذلك يجب على الفلسطينيين أن يأخذوا بعين الاعتبار أمرين:
الأول أن هذه الحكومة العريضة ستحظى على ثقة الرأي العام الإسرائيلي في حال اتخاذ أي قرار يتعلق بغزة سواء كان قرار بفك الحصار و منح غزة مزيدا من الأكسجين لكي لا تنفجر في وجوههم أو قرار يتعلق بعدوان جديد على غزة إذا ما حدثت تطورات ومشاحنات و مناكفات تستدعي ذلك.
الأمر الآخر والأهم هو ما يتعلق بقضية الأسرى والمفقودين والجثث. هذه الحكومة لديها تفويض شعبي وأمني وسياسي واسع لإنهاء قضية الجنود والجثث. نتنياهو يريد أن ينهي هذا الملف وغانتس كوزير للجيش وكرئيس أركان سابق يشعر بمسؤولية تجاه جنوده الذين قاتلوا تحت إمرته والوزراء الآخرين لن يعارضوا صفقة تغلق هذا الملف حتى وإن كانت مؤلمة.
مع ذلك، ومع الأخذ بعين الاعتبار عدم وجود معلومات لما وصلت إليه هذه القضية، لكن الفارق بين ما تريده حماس كثمن لهذه الصفقة و بين استعداد إسرائيل لدفعه ما زال كبيرا. لكن هذه هي طبيعة المفاوضات والأمر يتعلق بإسرائيل أكثر مما هو يتعلق بحماس.
ما هو أكيد أن قضية الأسرى ستبقى عقبة حقيقية أو ذريعة أمام تغيير الوضع الإنساني في غزة واستمرار الحصار الظالم.