د. طلال الشريف.. المتآمرون على الوطن

مبكرا كان لدي ميولا أدبية عرفت لاحقا بأنها ليست أدبية خالصة تهتم بعلم الكلام كما الرواة وكتاب الصحف بل هي مهارة ربط الصورة بسلوك المجتمع والناس وبتوسع القراءة والثقافة إكتشفت أن هذا هو علم الاجتماع الذي يتحدث عن الظواهر المجتمعية وكيفية تشكلها ومآلاتها وتحديد حركة المجتمع.

أنا لا زلت من وقت لآخر أتذكر مقولة أستاذنا في الجراحة بمستشفى الحسين الجامعي أيام دراستي للطب نهاية سبعينيات القرن العشرين الماضي وهو يشرح لنا موضوع السرطان والأورام حين كنت أكثر  تركيزاً وشوقاً لمراكمة المعرفة العلمية لموضوع السرطان، و لأنه أي أستاذ الجراحة كان يدرك أمور حياتنا العامة أكثر منا بحكم العمر والخبرة ، فيومها كان يعبر عن سيكولوجيا المجتمع في قصص الجراحة وقد  يكون مثل باقي البشر في هذا الشرق الملفح بالتآمر والمؤامرات على مدى التاريخ لدرجة أن المؤامرة أصبحت قاعدة وسلوك ينمو من المهد إلى اللحد، فتصبح الحقيقة والسلوك الطبيعي هما الشاذان عن القاعدة، يومها كان إستاذ الجراحة  يقول كلاما مدهشا له في حينه بالتأكيد ولكنه لم يكن مدهشا لنا في عمرنا العشريني الذي لم يتلوث بمؤامرات السياسة بشكل خاص وغيرها في الحياة اليومية بشكل عام.

ماذا كان هذا الأستاذ يقول؟

كان يقول لنا: “إن السرطان هو مؤامرة داخلية حيث تنقلب جزء من الخلايا في أحد أعضاء الجسم فيتغير سلوك هذه الخلايا وتشل حركة الخلايا الأخرى عن عملها الحقيقي ويرسل المتآمرون فيالقهم من الخلايا المنقلبة المتآمرة على أهلها وذويها إلى أماكن أخرى عبر قنوات شرعية موصلة بين أجزاء الجسم مثل الدم والليمف لتصل إلى أماكن الاستيطان الجديدة لتدميرها والقضاء على الجسم كله إلى أن يتوفى المريض ويدفن، وتدفن معه تلك الخلايا المتآمرة أيضا.

كلما مرت تلك المقولة في شريط ذاكرتي تتولد منها أسئلة كان يجب علينا سؤال أستاذنا العزيز رحمه الله في حينه، ولكنها لم تخطر على البال في تلك الأيام فقد كنا ندرس الجراحة للجراحة والطب فقط، وكنا في ذلك الوقت نعتقد أن أستاذنا الجليل كان يحاول أن يقول لنا تلك القصة كي لا ننسى الدرس عند الامتحان، وبعد ما يقارب أربعة عقود تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيام وتقفز الفكرة إلي مركز الإهتمام فأتذكر أن الخلايا المتآمرة والمنقلبة كانت تمر عبر القنوات الشرعية دون أن تكتشفها أجهزة المقاومة في جسم الوطن الواحد ولا حتى أقوى الأجهزة التي تحمينا من الجراثيم والميكروبات والمستفزات التي تمثل خط الدفاع الأقوى وهي كرات الدم البيضاء تلك القوة الضاربة المدربة على وظيفتها عدة سنوات طويلة خاضت خلالها معارك جمة وانتصرت على الأعداء، ولكن كيف يحمل الدم الخلايا السرطانية المتآمرة  وهو لا يدري أنها منقلبة عليه؟

هكذا هو التفسير بأن اكتشاف هذه السرطانات من الصعوبة والاستحالة دائماً حيث لها نفس الشيفرة التي تحملها كل خلايا الجسم ولذلك تمر إلى حيث تريد دون عائق ولا تتأثر رادارات الجسم لأنها منه وتحمل نفس الشيفرة فتصل إلى أماكن التدمير جنباً إلى جنب مع الخلايا الطبيعية وهنا مكمن الخطر في السرطان؟

يتبادر سؤال آخر يتعلق بمدى معرفة تلك الخلايا المنقلبة المتآمرة السرطانية بأن نهاية الجسم الذي تسعى لموته تعني موتها ونهايتها أيضا مع الوطن المسكين الذي تدمره، وهنا يتحول السؤال إلى علوم أخرى مثل الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس للإجابة عليه إنسانيا بأن من يخرج عن السياق العام فينقلب على جماعته وأهله في رحلة إجرامية تدميرية  وليس بهدف المصلحة العامة لمن يعيشون بعدهم فهم في النهاية زائلون بفعل القانون الطبيعي أو زائلون بفعل التدمير الذاتي عندما يصبحون قتلو ومجرمون ومدمرون لمن حولهم.