د. طلال الشريف يكتب: الخروج الفتحاوي الكبير في غزة .. أسباب ونتائج

د.طلال الشريف

مع ذكرى إنطلاقة فتح 55، كان خروج الجمهور الفتحاوي الغزي، ومعه الجمهور الوطني، هادرا وغير مسبوق، مقارنة بمرور الذكرى في سنوات ما بعد الانقسام، وخاصة في العقد الأخير، الذي غلب عليه منع كل طرف للآخر من الاحتفال في منطقة حكمه، وشكل هذا الخروج الفتحاوي الكبير للاحتفال ظاهرة لا يمكن قياسها بمنطق السياسة أو منطق العقل الاجتماعي، لما واكب الثلاثة عشر عاما الإنقسامية من أحداث وسياسات غريبةلقيادة كل من طرفي الانقسام.

سياسة قيادة حماس لم تكن أفضل من سياسة  قيادة رام الله الخاصة بقطاع غزة ومواطنيها بشكل عام، فالقمع المتواصل من قيادة حماس للفتحاويين الغزاويين، ومراقبة تحركاتهم ومنعهم من التوظف ضيق خيارات الفتحاويين في مناحي حياتهم.

 عقوبات حكومة رام الله المالية لأعضاء فتح وموظفيها ومنتسبيها الأمنيين والعسكريين، لا تتناسب مع تلك الظاهرة بالخروج الهائل للفتحاويين للشارع لإحياء ذكرى إنطلاقة حركتهم، ذلك الخروج الذي فاق آلاف الأضعاف في عدد من خرجوا لإحياء الذكرى في مركز السلطة الآني في رام الله والشتات مجتمعة، ولهذا نحاول قراءة الأسباب والنتائج، وخاصة ونحن من المفترض على أعتاب محطة إنتخابات عامة ورئاسية ومجلس وطني في فلسطين.

الغريب أنه وبعد ثلاثة عشر عاما من استيلاء حماس على السلطة في قطاع غزة بالقوة المسلحة بعد فوزهم بالأغلبية في المجلس التشريعي لانتخابات 2006 وعدم تمكنهم من إدارة البلد كاملة، فآثروا أن يحسموا سلطتهم في قطاع غزة دون الضفة الغربية، رغم أنه كان من المفترض إدارتهم لغزة والضفة عبر الحكومة العاشرة التي كان يرأسها إسماعيل هنية، فكان الانقسام بعد إقتتال الشوارع ومهاجمة المقار الأمنية والاستيلاء عليها من قبل حماس بالقوة وطرد السلطة الوطنية المركزية من منطقة هى في الأصل ضمن صلاحيات رئيس السلطة وأجهزته الأمنية التابعة له، وغالبيتهم كانوا من تنظيم فتح الذي يقوده الرئيس عباس.

 إستنباط النتائج من خروج الفتحاويين في ذكرى إنطلاق حركتهم بشكل موضوعي يستوجب رصد الأسباب لحدوث الظاهرة (الخروج الكبير).. والمقصود هنا بالخروج الكبير هو خروج طرفي فتح المشتبكين لإحياء الذكرى الذي يساوي مجموع الخروج الفتحاوي الكبير، ومشاركة الفتحاويين جميعهم كما نادى وطلب في خطابه بساحة الجندي المجهول قائد التيار الإصلاحي في ساحة قطاع غزة ماجد أبو شمالة، أعضاء التيار للمشاركة في مهرجان إنطلاقة فتح التي أقامها تيار فتح الموالى للرئيس عباس ورام الله في شارع الوحدة في اليوم التالي.

أسباب الخروج الفتحاوي الكبير :

هناك أسباب ذاتية وأسباب موضوعية

الأسباب الذاتية 

وهما سببان رئيسيان لهما علاقة مباشرة بالحدث

1- فتح أكبر تنظيم فلسطيني عددا ومناصرين منذ الإنطلاقة في العام 1965 وحتى اليوم.

2- الفتحاويون تعرضوا ومنذ الانقسام لمناخات قاسية جدا:

 – داخل تنظيمهم بسبب الخلافات التي إنفجرت داخليا بعد ضياع سلطتهم في قطاع غزة وتبادل الاتهامات بين قادتها والتي أدت لشرخ داخل الحركة بسبب تفرد الرئيس عباس، ما أدى  لتشكل التيار الإصلاحي الفتحاوي بقيادة النائب محمد دحلان في ظروف غير طبيعية وإستئصالية بعد الفصل التعسفي، ودون إجراءات تنظيمية صحيحة مبنية على النظام الداخلي وحقوق العضوية والمحكمة الحركية التنظيمية، وهذا أدى إلى شرخ كبير في نفوس الفتحاويين وكرس المناطقية، وتعمق الشرخ بالعقوبات على أعضاء التنظيم وقطع الرواتب وتخفيضها لمنتسبي الأجهزة الأمنية، بالإضافة للتقاعد المبكر فقط في قطاع غزة، ما زاد من فرقتهم ومعاناتهم وذكريات مجدهم وقانون محبتهم، ولذلك ضاقوا ذرعا بما آلت إليه حالتهم النفسية وشعروا بجرح كبير،.

 – خارج تنظيمهم خاصة في قطاع غزة بالذات، حيث تعرضوا لحملات ضغط واعتقال وإرعاب جعلت جزءا كبيرا منهم في حالة عزلة حادة توقيا لعصا حماس الغليظة التي حاولت كسرهم في البدء. وبعد رفع العصا الغليظة قليلا، أبقتهم حماس تحت المراقبة الشديدة المحبطة والاعتقال أو مراجعة للأمن الحمساوي؛  وطالت مدة حكم حماس لسنوات أحس أولئك الفتحاويين فيها بالانكسار الذي تفاقم حد الذل  بعد عقوبات رئيسهم، وصار الضغط لا يطاق وأصابهم المرض والجلطات وتوفى الكثير منهم ومن تبقى أصبح يحلم بالانتصار ولو المعنوي بعد أن فقدوا إمكانية عودة سلطتهم، ولذلك كنت تجدهم ينتظرون لحظة الإحساس الآمن ليخرجوا للشارع لنصرة فتحهم ويشعروا بمجدهم بعد كل هذا العذاب الذي تعرضوا له فإنطلقوا للشارع ولمهرجانات الفتح حين شعروا بالأمان، وكان سبقهم للشعور بالأمان إخوانهم في التيار الإصلاحي بعد تحسن العلاقة بينهم وبين حماس والسماح لهم بالقيام بفعاليات، منها الانطلاقة وذكرى إستشهاد قائدهم ياسر عرفات، ولذلك كبر حجم الخارجين للاحتفال بالذكرى 55 لإنطلاقة فتح ومعهم آلاف الوطنيين الآخرين.

الأسباب الموضوعية

وهي متعددة.. وأبرزها:

1- معاناة أهالي قطاع غزة الكبيرة في كل مناحي حياتهم ومتطلباتهم وتنقلهم وسفرهم، وتراجع الخدمات، ما جعل سقف المعاناة مرتفعا جدا بسبب الحصار الكبير والمتواصل لعدة سنوات، بالإضافة الى البطالة التي فاقت الحدود والتغيرات الاجتماعية التي أدت بهم للفقر والعوز، ووكذلك التأثيرات المجتمعية التي أدت لظاهرة تعنس أبنائهم وبناتهم.

2- القبضة الحديدية لأجهزة الأمن الحمساوية وقمعها لكل تعبير عن الحال أو الرأي أو التذمر وإحباط كل محاولات سكان القطاع للتمرد على حكم حماس، وغالبية النشطاء هم فتحاويون.

3- ثلاثة حروب خاضتها حماس ودفع أهل غزة الثمن الكبير فيها دون رضاهم، ولأن الغالبية في غزة إما فتحاويين أو مناصرين لفتح، وراسخ في عقل الفتحاويين بأن سلطتهم أفضل ولم تأت بحروب مدمرة لأهل غزة.

4- وأهم الأسباب الموضوعية من وجهة نظري هي التحولات الجديدة في مواقف حماس التي أحس الفتحاويون بأنها نقاط ضعف لسلطة حماس، وتلك بدأت حين رأوا أن حماس تتلقى رواتب ومساعدات عبر إسرائيل من خلال حليفتها قطر، وجنوح حماس في الفترة الأخيرة للقبول بالهدن المتكررة، وتصوري أن ما شجع الفتحاويين للخروج بشكل ملفت هو موضوع المستشفى الأمريكي ومادار حوله من لغط كبير، ولم يتوقع أحد أن حماس القوة ترحب بمستشفى عليه علامات إستفهام، وهنا أصف الحالة النفسية الفتحاوية مقابل الخصم الحمساوي الحديدي الذي زايد عليهم وعلى رئيسهم وعلى فتحاويتهم بإعلانه الدائم عن معاداة الأمريكان والاحتلال، فوجدوه فجأة يقترب من سياستهم وتصرفات سلطتهم وحركتهم في التعاطي مع الواقع السياسي، فإنكسرت هيبة حماس لديهم، ما دفعهم لاقتناص فرصة الانطلاقة الفتحاوية ليخرجوا للشارع وحالهم يقول: نحن كنا أفضل، وباطنهم يخرج لسانه لحماس بطريقة الاحتفال بفتحاويتهم، وخروج الأسد الفتحاوي الجريح للشارع ولسان حاله يقول: أنا هنا ولا زالت لي الجولة الإخيرة. ( هذا الوصف النفسي لما حدث للفتحاويين، رغم أن فهمي أنا لتغيرات حماس هو في صالح نهجهم واقتراب حماس من السياسة الواقعية هو مكسب لهم بعيدا عن الصراع على السلطة، ويمكن أن يقرب هذا التغيير في حماس طريق الوحدة والمصالحة وإنهاء الانقسام، وما إصرار مطالبة حماس على إصدار  مرسوم الانتخابات إلا علامة على صحة القراءة السياسية التي أقولها).

5- التيار الإصلاحي الفتحاوي لم يكن سببا جوهريا في خروج السواد الأعظم من الفتحاويين الموالين لرام الله والمحايدين منهم لمناكفة إخوانهم، ولإثبات تفوقهم العددي فالتيار الإصلاحي يعرف أن عدد الفتحاويين كبير جدا، ولكن غالبيتهم لهم مصالح يخشون عليها وأهمها الراتبَ، ولكنهم يريدون الإصلاح كما إخوانهم في التيار الإصلاحي، وأن مخاصمتهم للتيار الإصلاحي وحشدهم هما في عقل عدد محدود منهم ورئيسهم فقط، وهؤلاء النفر القليل هم المعادون للتيار وقيادته، ولو أن هؤلاء المعادين القلائل للتيار بسيرتهم وإدارتهم وحشدهم فما كان ليخرج الفتحاويون كما خرجوا لا إراديا ليعبروا عن فتحاويتهم وفقط غالبيتهم يعبرون عن رفضهم لحماس، وحماس فقط، وهي رسالة يقرؤها الصغير قبل الكبير في قطاع غزة.

النتائج:

1- فتح مازالت القوة الشعبية الأولى في الواقع الفلسطيني.

2-  قطاع غزة غير راض عن حكم حماس وعن استمراره لأن في استمراره استمرارا لمعاناة سكانه.

3- نتائج أي إنتخابات.. فأصوات غزة في غالبيتها ستذهب لفتح سواء خاض طرفا فتح الانتخابات بقائمة موحدة أو قائمتين.

4- حال الفتحاويين هذا، يرفض أن يتشاركوا مع حماس في قائمة إنتخابية واحدة كما تطرح قطر.

5- نعود لحماس لنجد أن الحمساويين بدوا بسماحهم لمهرجانات فتح أيا كان طرفها المنظم، أذكى  من سياسيي فتح الموالين لرام الله، لأن الواقع يذكي المشاركة والوصول لمنتصف الطريق وليس الإقصاء، فما أحد يستطيع إقصاء أو إستئصال الآخر وحماس باستمرارها بنهج التعقل وعدم الإقصاء تخرج من أزمتها أسرع، وعليها الاقتراب من الناس ومشاكلها الحياتية ليتقبلوها، فهي تنافس على حكم شعب كامل متعدد الثقافة والفكر والرؤى، أما الانعزال والتقوقع على الذات وتكفير وتخوين الآخرين يبقيهم خارج إمكانية تمثيل شعبنا.

6- التيار الإصلاحي يراكم في شعبيته وليس كل من كان في مهرجان شارع الوحدة معاديا للتيار، بل غالبا سيكون مخزونا إستراتيجيا للتيار في حال إجراء الانتخابات التي لن يرى أحد ماذا سيضع الفتحاويون في أوراق إنتخابهم والصندوق، فغالبيتهم تواقون للتغيير في حركتهم وسينحازون للتيار الإصلاحي، إذا لم يتحد الفتحاويون في قائمة واحدة وخاصة فئة الشباب منهم.