د. طلال الشريف يكتب: الشراكة أم المشاركة السياسية؟.. هناك فرق

وهنا الحديث عن الشراكة أكثر منه على المشاركة، حيث يتسع هذه الأيام حديث ملتبس من قبل الأحزاب ومن قبل المواطتين عن “الشراكة السياسية”.
“الشراكة السياسية”، مصطلح جديد في عصر العولمة والأنظمة الرأسمالية، والشراكة السياسية هي أحد تجليات الأنظمة السياسية المعاصرة ما يوسع مفهوم وآثر الديمقراطية، بشرط القبول بالتعددية و تبادل السلطة عبر صناديق الاقتراع، مضافا إليها إحترام القانون وحرية التعبير وحرية الإعتقاد، ولم تكن الشراكة السياسية ولا مصطلحها متوفرا في الأنظمة الشيوعية والاشتراكية التي لا تؤمن بالتعددية، وتعلى من شأن ديكتاتورية البروليتاريا، وهنا الحديث لا يتعلق بأفضلية النظام الرأسمالي، ولكل نظام عناصر قوة وايجابيات، وأنا شخصيا من أنصار النظام الإشتراكي الذي يوصل للعدالة الإجتماعية، وأرفض النظام الرأسمالي الذي يجلب الظلم الإجتماعي، والذاتية الفردية، والتوحش المالي.
الشراكة السياسية هي التحالف أو الائتلاف أو القائمة الانتخابية الواحدة التي تحمل نفس البرنامج الانتخابي ليكون الشركاء في الحكم لاحقا أو في المعارضة لتحقيق أهداف محددة عبر برنامج متفق عليه، يتناغم مع قضايا مشتركة كان  يدافع عنها المؤتلفون قبل الائتلاف بأدواتهم ورؤيتهم وخططهم وفكرهم الخاص كل على حدة، أما بعد الائتلاف فيصبح هناك برنامج وخطة وهدف وأدوات متفقا عليها للشركاء.
 أما “المشاركة السياسية” فهي تعني عدم مقاطعة الانتخابات من حزب من الأحزاب أو أكثر ، وتعني الإعتراف والموافقة على النظام السياسي،وعدم رفضه، أو السعي لهدمه، وإحلال نظام جديد ، ولن يكون المشارك في الانتخابات أو في النظام السياسي شريكا بل هو جزء مشارك كجسم سياسي أو حزب في تعددية مقبولة للنظام السياسي.
المفهومان، الشراكة السياسية، والمشاركة السياسية، مختلفان، ويجري الكثير من الخلط في إطلاقهما، ولذلك إقتضى التنويه.
 عندما يأتلف حزب أو أكثر لخوض انتخابات بقائمة واحدة، يصبح الحزب شريكا لمن ائتلف معه أو معهم من الأحزاب، ومشارك لباقي النظام السياسي، وليس شريكا لمن هم خارج الائتلاف المزمع عقده للوصول للحكم، أو لإمتلاك السلطة.
أحيانا تصبح الشراكة متأخرة حين يحتاج الحزب أو الاتلاف الأول ما قبل الإنتخابات لمشاركة أحزاب أو ائتلافات أخرى لم تخض معه الانتخابات كقائمة أو تحالف، والسبب هنا، التمكن من تشكيل الحكومة، وعندها إذا اتفقوا على ذلك، يصبحون شركاء في الحكومة و الحكم والسلطة،  وتستمر الأحزاب غير الشريكة في الحكومة بمثابة مشاركة في النظام السياسي وليست شريكة في السلطة أو الحكم.
في السياسة في فلسطين، مفهوم الشراكة تذيل بين الضعفاء، والمشاركة وليس الشراكة تسيد للأحزاب الكبيرة، وترفض الشراكة مع الآخرين، خاصة في مجتمعنا الفلسطيني بعد نشوء السلطة الوطنية وبدايات مقزمة للديمقراطية الفلسطينية، وحتى الآن، ومحاولات طرح مصطلح الشراكة من الأحزاب أيا كانت مفهوما خاطئا للمصطلح. وهم يقصدون المشاركة في النظام السياسي، وعندما يطرحون الشراكة في القرار تطرحها فصائل منظمة التحرير كائتلاف وطني قديم يسقطونه على الحالة السلطوية والحكم الذي تفردت به فتح في رام الله وحماس في غزة دون دراية بمعنى المصطلحات، والأجدى أنهم جميعا مشاركون في النظام السياسي وليسوا شركاء في القرار، فالقرار سلطة وحكم وهم ليسوا شركاء في الحكم وسلطة القرار،  وبالتالي كيف سيكونون شركاء في القرار، ولذلك لابد من تصحيح إطلاق المصطلحات.( هنا “السلطة” ليس المقصود فيها السلطة الوطنية بل سلكة الحكم والقانون كمصطلحات).
في مجتمعنا الجديد على الديمقراطية الكل مشارك في النظام، ولا يوجدشراكة أو شركاء، إلا من شذرات توافقت عليها بعض الأجسام اليسارية حين خاضوا انتخابات 2006 في قائمة واحدة ( قائمة “البديل” التي ضمت الجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب، وفدا، وقائمة “فلسطين المستقلة” التي ضمت المبادرة الوطنية والعمال وذوي الإحتياجات الخاصة، والمستقلين).
 نموذج الشراكة يتضح أكثر عند أهلنا داخل الخط الأخضر 48 في تجربتين حين تشاركوا في القائمة المشتركة سابقا، وحاليا، أما حين دخلوا كأحزاب أو أجسام أو قوائم منفردة فهم كل منهم كان مشاركا، وليس شريكا لأحد في العملية السياسية والانتخابية والنظام السياسي الإسرائيلي.
هذا نموذج يوضح الفرق بين “الشراكة”  “والمشاركة” السياسية.
أولا نموذج الشراكة:
“القائمة المشتركة” هو تحالف سياسي ضم أربعة أحزاب عربية في إسرائيل، أعلن عن تشكيله في 23 يناير 2015 كتحالف يضم أربع قوائم تمثل الجماهير العربية في إسرائيل، في أعقاب رفع نسبة الحسم والإعلان عن انتخابات مبكرة عام 2015، وضمت الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة، والتجمع الوطني الديمقراطي،
والقائمة العربية الموحدة، والحركة العربية للتغيير، خاض هذا التحالف الانتخابات التشريعية العشرين للكنيست الاسرائيلية، وحصل على 13 مقعدًا، وكانت هذه وهي المرة الأولى التي تتقدم فيها الأحزاب العربية بقائمة موحدة إلى انتخابات الكنيست، وكانت الرؤية أو البرنامج أو الأيديولوجيا تتلخص في قضايا متفق عليها موضوعة في برنامج الجميع يسعى من أجله تتلخص في:
“سلام عادل، حل الدولتين، اسرائيل دولة لكل مواطنيها، عدالة إجتماعية وإقتصادية، الاعتراف بعرب 48 كأقلية قومية”
ثانيا نموذج شراكة مع مشاركة :
مطلع عام 2019 فشلت جهود إبقاء الأحزاب الأربعة ضمن قائمة واحدة، وفي 21 فبراير 2019، أُعلن عن خوض الانتخابات في قائمتين منفصلتين، إحداهما تضم الجبهة الديمقراطية والحركة العربية للتغيير، والثانية تضم الحركة الإسلامية والتجمع الوطني الديموقراطي.أي هناك شراكة بين كل حزبين في قائمة، لكن الأربعة أحزاب العربية مشاركة في الانتخابات، ولم يقاطع أحد منها.. لأن المقاطع يكون بديهيا غير مشارك، فكانوا شركاء ومشاركين. وفي أعقاب الانتخابات، حصلت كل من الجبهة والعربية للتغيير على 6 مقاعد فيما حصلت القائمة العربية الموحدة والتجمع على 4 مقاعد، أقل بثلاثة مقاعد عن مجمل ما حصلوا عليه في القائمة المشتركة سابقًا.
بعد فشل نتنياهو بتشكيل الحكومة، صوتت الكنيست مع قانون بحل نفسها، وأعلن عن عقد انتخابات مبكرة جديدة في إسرائيل في 17 سبتمبر 2019 ، في هذه الإنتخابات وصلت الأحزاب الأربعة مرة أخرى إلى اتفاق بخوض الانتخابات ضمن القائمة المشتركة (شراكة )  وحصلت القائمة على 13 مقعداً في الكنيست. وهنا شراكة كاملة بين الأربعة أحزاب العربية في قائمة واحدة ولكنهم مشاركين في الانتخابات والنظام السياسي الاسرائيلي.. وواضح أن:
أي جسم أو حزب لا يشارك في الانتخابات أو لا يعترف بالنظام السياسي ويعمل لتغييره هو لا يعتبر مشارك في العملية السياسية مثل حركة الجهاد الإسلامي، فهي هنا بمثابة حزب غير مشارك وغير شريك لأحد في النظام السياسي الفلسطيني، وهو موقف بالمناسبة ليس قبيحا، ولكنه يحتاج لعمل جبار لتقديم نفسه للجمهور مثلما يفعله الجهاد الاسلامي بتبنيه المقاومة، ولا يريد حكما لا بالشراكة السياسية ولا بالمشاركة في النظام السياسي أو الانتخابات، وقد يشارك في النقابات ولذلك يشكل الجهاد الاسلامي في فلسطين نموذجا يحتاج قراءة خاصة لمستقبله السياسي إذا ما توقف عن المقاومة المتفرغ من أجلها.
بإختصار شديد جدا للشراكة السياسية::
  إن كل شريك في ائتلاف أو في الحكم هو مشارك في النظام أو الانتخابات، وليس كل مشارك في النظام أو الانتخابات هو شريك في الحكم أو في ائتلاف… وهنا يتضح أكثر الفرق بين الشراكة والمشاركة.