د. طلال الشريف يكتب: الوباء وبداية إنهيارات في السياسة والاقتصاد والأخلاق

د.طلال الشريف

في زحمة الأحداث وحالة الرعب من وباء كورونا التي تجتاح العالم.. قليلون هم من سمعوا صوت دولة مثل صربيا، حين خرج رئيسها ليقول لشعبه وللعالم: “الآن أرسل رسالة هامة لأننا أمام إحتمالات هامة ورهيبة وندرك الآن جميعا أن ما يسمى التضامن العالمي فعليا غير موجود والتضامن الأوروبي غير موجود وهو قصة خرافية غير موجودة إلا على الورق”.

الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش تحدث بمرارة عن الجحود الأوروبي في وقت حرج يجتاح الكرة الأرضية لوباء كورونا، في وقت تعلن فيه مفوضية الاتحاد الأوروبي أنه من غير المسموح من الآن استيراد المعدات الطبية من الاتحاد الأوروبي، وليس لديهم ما يكفيهم، ولذلك يطلب الرئيس الصربي المساعدة من رئيس الصين “شي جي بينغ”، هذه الصين التي كانت مفوضية الاتحاد الأوروبي منذ زمن تأمر دولها كما يقول بيتشيتين بعدم التعامل مع الصين وتجبرهم فقط على التبادل التجاري مع دول أوروبا الصناعية، ألمانيا وفرنسا المحتكرتين لقرار أوروبا قبل وبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويقول الرئيس الصربي في تصريحه: إن الاتحاد الأوروبي وصيغ التكافل والمساعدة من كبار أوروبا التي كانوا يتباهون ويتبجحون بها هي كذبة باتت واضحة بعد أن طلبنا منهم مساعدة بلادنا في استيراد مستلزمات ومعدات طبية منهم حسب شراكتنا لإنقاذ أرواح الناس، وترد تلك الدول بعدم إمكانية تلبية طلب صربيا وليس لديهم ما يكفيهم، ما يفتح الباب مبكرا وقبل الدخول المتوقع في ركود إقتصادي عالمي وإنهيارات رأسمالية وإقتصادية كبيرة ستغير شكل العالم ونظامه الإقتصادي ومؤسساته الدولية، كما توحي فلسفة الوباء بتآكل الحضارة أو إنهيارها إذا فقدت البشرية ملايين السكان في مراحل لاحقة.

تصريح خطير.. وفي نفس الوقت يوحي ببداية إنهيارات سياسية، مثل تفكك الاتحاد الأوروبي وسقوط الرأسمالية التي بني عليها الاتحاد وكثير من منظومات عمل هذه العولمة التي غيرت شكل العالم، وثبت عند الحاجة أن هذا النظام متوحش حتي مع شركائه مثلما يحدث الآن من جحود وتكبر على دول لا تحتاج لدعم مالي مثلا، بل تحتاج لمعدات طبية لمواجهة الوباء القاتل.

هذا الانكشاف الأولى مع بدايات الوباء، فما بالك وكل الخبراء يتحدثون عن ركود إقتصادي سيستمر لعقد من الزمن، ستحدث خلاله حروب وإستغلال من الدول الرأسمالية للفقراء، مما يوسع الهوة بين أعداد قليلة من مراكز الإقتصاد الرأسمالي الحاكمة في العالم، ومما سيوحد الفقراء بملايين البشر للثورة وإسقاط هذا النظام الجشع المتوحش.

قضايا أخرى في سياق عملية الانهيارات بسبب الوباء لابد من التوقف لذكرها للتفكير في مآلات تطورها أو تدهورها، حضورها أم غيابها، لا ندري.. ومنها :

  • الأخلاقي هو إكتشاف طعم ضد الكورونا يحمي البشرية في المستقبل، وهل يتساوى إكتشاف الطعم  مع كل الخسائر البشرية والإقتصادية الجارية. حيث لو لم يكن الوباء لما إكتشف الطعم؟.. قضية تحتاج التفكير فيها.

 

  • أما اللا أخلاقي فهو مكاسب شركات الأدوية والمنظفات والمعقمات والمطهرات والغسولات والمنشفات وتجار الأزمات.. أيضا قضية تحتاج الى تفكير وكيفية إعادة تدويرها لقضايا إنسانية تتطلبها الكارثة الوبائية.

 

  • أما الدايلما الأكبر التي تعني الورطة القيمية واللا أخلاقية، والدايلما هنا تعبير مكثف عن اللا أخلاقي، وأبسط مثال معروف للناس للقياس على ذلك ما يسمى القتل الرحيم وإزالة الأجهزة عن مريض ميؤوس من علاجه ليموت، فهل يستمر المنادون بترك الإمكانيات والموازنات الصحية للأطفال وصغار السن على حساب تقليص خدمات صحة كبار السن لعدم انتاجية هؤلاء  الذين حولتهم الرأسمالية  لميزان ما يساووا ماليا فهم بلا عمل.

 

  • تعود  للواجهة فرضية الإنفجار السكاني والمتشددين في قضية ضبط أعداد السكان. وترحيبهم بإنتشار الأوبئة والكوارث الطبيعية والحروب لتخفيض أعداد سكان الأرض، مدعين أنه لولا الطاعون الذي ضرب أوروبا بين العام 1348- 1350 وأدى لوفاة 25 مليون نسمة لكانت هذه النسبة تشكل ثلث إلى نصف سكان الكرة الأرضية في ذلك الحين، ومؤكدين على أنه لولا هذا الطاعون فلم تكن إمكانية لوجودنا الآن بسبب الإنفجار السكاني الذي سيؤدي لموت أضعاف الـ 25 مليونا.. قضية أيضا تحتاج الى التفكير.