د. طلال الشريف يكتب: بواب وطباخ والملك.. تلكم هي أحزابنا

أحزابنا في غالبيتها منازل مهجورة بعد أن غادرها غالبية أعضائها دون عودة بعد خرابها.. إنتعشت قليلا  تلك الأحزاب  في مرحلتين تغيرت فيهما ظروف الحال الفلسطيني.
المرة الأولى كانت بعد نشوء السلطة الوطنية، إنتعشت تلك الأحزاب على خلفية كسب الوظائف والمواقع في الوظيفة العامة وأجهزة الأمن، ولكن سرعان  ما إختل التوازن داخلها بطريقة أكثر حدة من فترة سابقة على قدوم السلطة بسنوات، رغم تشابه  عمليتي الهجرة من الأحزاب، ومن المهم معرفة أن هناك ما يشير إلى أن أحد أسباب الانتفاضة الثانية “انتفاضة الأقصى” وغالبية محركيها  كانوا منطلقين من  خلافات على المواقع والمكاسب لدى المناضلين السابقين الذين لم يظفروا بالمال السياسي أو الموقع السياسي أو التنظيمي، حيث تكونت مراكز قوى جديدة تنكرت لعدد كبير من زملائهم، ومن قيادات كانت أهم وأكبر شأنا من كثير  ممن تقلدوا المواقع التي أتت بالفائدة المالية والهيلمان والتأثير، فكان التشظي الحزبي بسبب عدم كفاية الحصص من تلك الوظائف العامة والأجهزة الأمنية، وضعفت قيادة غالبية الأحزاب التي غزاها المال السياسي عبر المساعدات والميزانيات المباشرة، أو عبر الطريق الملتوي بمشاريع المؤسسات الحزبية المسماة غير ربحية وغير حكومية.
المرة الثانية كانت إنتعاشة تلك الأحزاب مع  بدايات تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية غير الحكومية التي شكلت مراكز قوى داخل الأحزاب بحكم مواقعها ورواتبها والعائد أو المردود المالي من حقيبة المشاريع وغزو المال السياسي الذي لا تعرف كثير من قيادات الأحزاب كيف يتم الحصول عليه. وكانت المعرفة ولا تزال  مقتصرة على شخص أو أشخاص أقل من عدد أصابع اليد الواحدة  المتنفذين، ما يؤكد عدم الشفافية واندلاع الشبهة من وراء هذا التمويل وأهدافه السياسية، حين إستولت علي مراكز القوة  شلل وعصابات المال السياسي والمشاريع الهبشية، والتي حسمت  مرحلة الخلاف على المؤسسات غير الحكومية التابعة للأحزاب والفصائل  لصالح مجموعة لم تعد تأتمر بأوامر الحزب أو الفصيل، وكونت إمبراطوريات أقوى من تلك الأحزاب.
هذه العدوى في المباني الحزبية بمعناها المجازي والملموس، تلك المهجورة تنظيميا، ومقراتيا، إجتاحت كل الأحزاب والفصائل، صغيرها وكبيرها، ولم ينج منها أحد، وتلك الأجسام السياسية أصبحت ثقافتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية مبنية على قربها أو بعدها عن مراكز المال السياسي ومسهليه وشطار جلب الدعم وكتاية المشاريع، على حساب ثقافة نقية شفافة قليلة التمويل أو رافضة له ولتبعياته السياسية، وأثار التذيل غير الحميد للمتآمرين على قضيتنا بسبب العوز المالي، وهذا  أدى إلى الإبتعاد عن الأهداف والثقافة الوطنية وحولها لثقافة ذاتية أو فئوية مرضية تركع للموقع والراتب والمردود المالي، وتكونت مراكز قوى تلاعبت بأحزابها وأثرت على مواقفها، وقامت بتطفيش كثير من الأعضاء، وهذا لم يحدث في حزب واحد بل تكالبت الكثير من الأحزاب خلف هذه المصلحة وهذه الثقافة  المرتبطة بالمال السياسي، وبرزت أو تقدمت قيادات فاسدة تقلدت قيادة الحالة الوطنية بمجموعها في كل أحزابنا، وما ترتب عنها تربع هذه القيادات فوق مشاريع استثمارية شخصية أو حزبية أصبحت تتحكم في كثير من عناصر الاقتصاد الفلسطيني والقرار السياسي والمجتمع الفلسطيني وحركته.
في كل حزب بواب (سكرتير) وطباخ (مسؤول مالي ومزور )  وملك (رئيس الحزب أو مدير الفرع)، هم من بقوا أحياء أو مازالوا يتمتعون بالحيوية الحزبية المتحركة فقط في كل مبنى حزبي مهجور من الشعب والأعضاء، ولا تفكير لديهم إلا كيف  يحصلون على مزيد من المال والاستثمار وكيف يحركون هذه المشاريع وهذه الأموال لمصالحهم الضيقة، ولهذا ترهلت القضية الوطنية ولم يعد لهم شاغل إلا مشاريعهم الذاتية، وبعدها يمكن أن ينتقلوا إلى مصلحة  الحزب لو تبقى لديهم وقت، متاجرين بالقضية الوطنية كل حسب رأسماله الذي تكون بفعل المال السياسي، معلوم المصدر أحيانا وغير معلوم  المصادر غالبا.
ملاحظة .. لا نقصد شخصا أو حزبا بعينه، بل نقصد ونصف الحالة الحزبية، نتمنى الإنتباه لما سببه المال السياسي من أضرار، وكما نرغب دائما التنبيه للمصلحة العامة، حيث ليس في يدنا إمكانية المحاسبة، ولحين تتغير الظروف حاسبوهم كيفما شئتم.