د. طلال الشريف يكتب: شتاء سياسي وعسكري قارص على الفلسطينيين

هذا الشتاء سيكون قارصا على الفلسطينيين بعدما تهيأت ظروف المنطقة لإسرائيل العظمى، وليست كما كنا نفكر أنها ستكون إسرائيل الكبرى جغرافيا من النيل إلى الفرات، رغم ما تهيأ لإسرائيل من هيمنة لأبعد من النيل للفرات.
نقول إسرائيل العظمى بعدما سلمها العرب الراية، وأخذت تسرح وتمرح في المنطقة العربية وفي الإقليم بسهولة، وتتحرك في العالم دون مناهض وفي قلب ما يسمي بالأمم المتحدة دون خوف من قرار أممي بالإدانة أو التدخل لحماية المدنيين الفلسطينيين أو حتى قرار عقوبات، وهذا يحدث منذ النكبة أيضا ولكن هذه الأيام دون مواحهة مع العرب.
بالأمس.. صادر ترامب مدينة القدس ومنحها عاصمة لإسرائيل، واليوم نتنياهو يشكل لجنة للبدء في الإسبوع القادم بعد تشكيل حكومته ونجاحه في الانتخابات، في مصادرة الأراضي الفلسطينية في الأغوار، ودون رمشة عين خشية من عرب أو من عجم،، والأدهى والأمر دون حساب يذكر للفلسطينيين بوضعهم المنقسم وصراعهم على المصالح الحزبية وعلى الحكم أو السلطة. ومشاكل مجتمعهم المتفاقمة وبعيدا عن أي قلق من تأثير مواجه لنتنياهو من الجانب الرسمي سوى بالرفض أو بالإدانة، ومن الجانب الفصائلي سوى بالتهديد أو الوعيد الذي فقد صلته بالواقع ولم يعد كابحا لخطط إسرائيل.
يبدو أن تعقيدات الحالة الفلسطينية مازالت تتراكم، ومازال الفرقاء في فتح، وحماس، في حالة اندفاع نحو الهاوية التي لا يتمناها كل فلسطيني ثاقب الرؤية، ومتمدمك الانتماء لفلسطين، وله ما يخاف عليه من سكرة العناد، المتفشي بقوة حتى الآن، في عقول المأخوذين بغطرسة وشهوة الحكم، ومحاولات الادعاء بالشرعية، وكبرياء المجد الماضي، هنا في غزة، وهناك في رام الله.
 تصريحات حماس وتصرفاتها الأخيرة في المجلس التشريعي المنحل، لا تبشر بالاتفاق ولا بأفق للمصالحة وتؤشر لغيبوبة كاملة من طرفي الإنقسام. عن واقع ضياع الأرض الذي بات فاقعا ودون مواربة من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.
كل المؤشرات تنبئ بالتحضير لأزمة حارقة صاعقة في المجتمع الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، قد لا تحمد عقباها، وتتراوح بين الحرب الكبرى والحرب الأهلية أو الهجرة الجماعية أو الدمار المجتمعي والفقر والجوع والمرض، وخيارات كلها أكثر سوءا مما سبقها، وأتمنى ألا تكون هذه التصريحات تعني منطوقها، وأتمنى، أن تكون ضمن تجميع عناصر قوة للحوار الصحوة والضغط على الرئيس عباس للاجتماع سريعا بالقاهرة قبل فوات الأوان.
نتمنى أن تنجح مصر سريعا هذه المرة  وتعيد اللحمة إلى شعبنا، ووطننا، ونعيد قوتنا في اتجاه االتصدي للقادم من المحن والتوجه العام للحصول على حقوقنا الوطنية، واستقلالنا.
وماذا لو لم يتم اتفاق سريع آني  بين الفصائل كبيرها، وصغيرها، وخاصة فتح، وحماس؟ وتلك الإرهاصات السيئة الطعم، والنكهة، والأثر، تكاد تفلق رؤوسنا من رائحتها، وتكاد ترهق تفكيرنا من طعمها المر، وتؤجج قلقنا، وخوفنا من آثارها على المستقبل بكل صراحة.
ماذا لو لم يحدث اتفاق نتمناه؟ أو ماذا لو لم يفرض العرب أو مصر هذه المرة اتفاقا على الفلسطينيين؟
إذا لم يُفرض اتفاق على الفلسطينيين لمواجهة الواقع الجديد سيبقى الانقسام، وسترتاح اسرائيل إلي الأبد، من كيانين بائسين، سيطحنان هذا الشعب، ويطيحان بقضيته الوطنية كما لم يحدث في تاريخ أي شعب.
في غزة، سوف تواجه حماس، هذه المرة القطيعة الكبرى، بينها وبين الجوار، والمخرج العربي، الذي حافظ على ورقة التوت الأخيرة لوضع غزة، وسيفرض العرب تشديدا جديدا للحصار، قد يصل في ماهيته إلى عقاب جماعي سوف يراكم إشكاليات كبرى هذه المرة، بعد فشل العرب في فرض الحلول على الفلسطينيين،  وقد يديرون الظهر للكيانين، ولكن الذي سيكون في المأزق مؤكدا، هو كيان غزة، وعندها، سوف تبحث حماس عن مخرج لأزمتها، فلن تجد أمامها، إلا العودة إلى القتال.
وهنا، سيأخذ القتال أحد منحيين، إما مع إسرائيل، وهنا تكمن مشكلة، لا ندري إلي أين سيكون الرد الإسرائيلي هذه المرة؟ خاصة إذا غاب الغطاء العربي عن تصرفات إسرائيل وانفرادها بغزة، وكم سندفع من ثمن جديد من الدماء، والهجرة والخسائر لإقناع إسرائيل، لفتح ثغرة لفك أزمة غزة بهدنة جديدة مذلة، وبأقل مما كان معروضا سابقا وحاليا.
وإما أن يأخذ القتال منحا آخر نحو تفجير الضفة الغربية، وتصفية عناصر القوة المناهضة بحكم الأزمة، والضيق، والململة، التي، قد تحدث في الضفة، والقطاع، وسندخل في حرب أهلية، جرت بروفاتها واضحة بالاعتقالات المتواصلة، لمناصري فتح وأعضائها في غزة، وكذلك أعضاء، ومناصري حماس في الضفة الغربية في الفترات الأخيرة، وتوقع أن تدخل تنظيمات سلفية تفجر الوضع كما حدث مؤخرا،  أو تشتبك الفصائل المسلحة مع بعضها البعض فيلجأ المواطنون للهجرة الأوسع.
ولكن.. احذروا!!!
فهذه المرة تختلف، لأن الأزمة ستكون مختلفة بحكم الحصار العربي الشديد، الذي قد يفرضه العرب وخاصة مصر على غزة، مما سيجعل الناس يحتربون بعنف، لعلهم ينتصرون على بعضهم، حيث سينسحب الجميع من الساحة إلا الفلسطينيين، وفي الحقيقة هم سيدمرون ما تبقي من دم، وحقوق فلسطينية، ونصبح عراق الألفين وستة، من اغتيالات، وتفجيرات تقتل الجميع، أو، مذابح الجزائر إياها، التي لا تبقي ولا تذر.
وماذا بعد ذلك ؟ ماذا ستفعلون أيها الفلسطينيون السكارى، كل بسلاحه، أو عظامه المنهكة لقضيتكم؟
ولماذا تبقي العقول البائسة مغيبة عن الواقع، وحساباته، فنخسر نحن في كل مرة، وتكسب إسرائيل، حيث أننا قبليون، وانتقاميون، وثأريون ، ومتخاصمون على الدوام مع الذات، والإخوة، والصحبة، والجيرة ، لدرجة الانتحار، وتدمير الذات.
ببساطة، إذا لم تتفقوا على إعادة اللحمة؟ فحلوا عن ظهرنا، وعن أولادنا، ومستقبلنا أيها القادة الفاشلين في مجملكم، فمن قدم لنا خطوة للأمام فليناقشنا؟ أما وقد فشلتم في حكمنا، وفي حل قضيتنا، فحلوا عن ظهورنا، وكفي، لا تعودوا إلينا إلا متحدين، والا فلا تعودوا.
عودتكم دون إتفاق سريع أو مفروض عليكم هذه المرة تعني أن ظهرنا للحائط، وتعني دماءنا ودماء أولادنا، عودتكم كما سبق للفراغ تعني تسليم فلسطين على طبق من بلور الي إسرائيل من قبلكم جميعا، ولا أستثني أحد، فهل بقي في جعبتكم فهلوة، وشعارات، ومسرحيات لتخديرنا من جديد؟
أين القدس التي حررتموها؟
وأين حق العودة الذي ننعم به منذ ستة عقود ؟
لا تعودوا، لا تعودوا، لا تعودوا إذا لم تتفقوا علي الوحدة للتصدي للقادم الصعب فنحن قد مللناكم متفرقين، ومللنا سوء إدارتكم، وتصرفاتكم ونطالب مصر والعرب أن يفرضوا عليكم ما هو مطلوب قبل فوات الأوان.