د. طلال الشريف يكتب: فعلوا بنا أسوأ مما فعل الإرهاب بالآخرين

 

وسجل يا زمان أن الفلسطيني يفجر نفسه بالفلسطيني بعد سبعة عقود من النضال ضد الإحتلال الذي مازال يفجر الجميع الفلسطيني.

 

لم تتعرض الشخصية الفلسطينية إلي عوامل الافتراق مثلما تعرضت له في العقدين الأخيرين، ورغم اختلاف الجغرافيا المتواصل والتي شتتت الفلسطينيين منذ نكبة 1948م، ورغم اختلاف العوامل الاقتصادية والاجتماعية لمجموعات الفلسطينيين في المهجر والشتات والضفة الغربية وقطاع غزة وداخل الخط الآخر، ورغم تنوع أنظمة الحكم التي عاش تحتها الفلسطينيون، ورغم القوانين والثقافات المتنوعة التي أثرت على تلك المجموعات الفلسطينية المتناثرة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوبا، وما واكبها من أحداث ومفاعيل، أحداث كان فيها التطور والتراجع والانجاز والإخفاق، إلا أن الشخصية الفلسطينية حافظت على جامع أو حتى جوامع هامة احتفظت بها أو حافظت عليها وبقيت في حالة تناغم تؤدي الحد الأدنى للمطلوب، تلك الشخصية وتلك المفاهيم والتوجهات والرؤية أينما وجدت، فقد احتفظت بقدر كبير من التوحد في الممارسة ووحدة متماثلة للمعلومة والتاريخ والحدث بكل أبعاده، مما وحد دائماً العواطف والسلوكيات والأماني وترجمها على أرض الواقع بشكل كان يشعر الفلسطينيون بأنهم كتلة واحدة وشعب واحد وتمتعوا بصفات شخصية غير منفصمة ويشار إليها بالبنان من الغير، أو من الأغيار، عرباً وعجماً.

 

كنا نرى ونشعر بذات فلسطينية واحدة، إن كان بالإيجاب أو السلب، بالإيجاب مثل التضامن والمساعدة والتسهيلات كشعب فلسطيني، وإن كان بالسلب كالمعاناة والإجراءات والمعوقات وحتى العقوبات الجماعية لمجموعات الفلسطينيين أينما كانوا على امتداد العالم بطوله وعرضه، أي أن الفلسطينيين كانوا معروفين ويتم التعامل معهم بأنهم فلسطينيون لهم نفس الشعور ونفس اللغة السياسية ونفس الأهداف بالتحرر والاستقلال يفهموا العالم والعالم يفهمهم.

 

أما الآن ومنذ عقد ونيف أصبح هناك واقع جديد وماهيات جديدة ومصطلحات وأسماء يُنعت بها ويُشرَح الفلسطينيون على خلفيات وقواعد أخرى لا جامع فلسطيني واضح بينهم كالسابق، حتى أصبحنا نشعر بأن الصفة أو التسمية أو العنوان الذي كان يجمعنا أمام أنفسنا وأمام الآخرين وهو “اننا فلسطينيون” قد تراجع كثيراً، وأصبحنا مجموعات وليس مجموعا واحدا، وكل له منظور وسلوك وممارسة وتوجه، ومعرفة خاصة مختلفة عن الآخر في استخدام الهدف والمعلومة والتاريخ والحدث الفلسطيني، والآن أصبح لدينا التهافت على الافتراق والتشظي والإنتقام من بعضنا بدون أدني إحساس بالمسؤولية وخطورة هذا الطريق، فتعددت عواطفنا وصفاتنا الشخصية وأصبحنا في انفصام حقيقي أمام أنفسنا وأمام الآخرين.

 

في السابق وقبل العام 2005م والتأريخ هنا له من الدلالات الهامة وأهمها وهو فشل الانتفاضة المسلحة بعد خمس سنوات من انطلاقها في تحقيق أهداف لم تكن أصلاً من الأهداف الإستراتيجية التي تحتاج مثل تلك الورطة المسلحة وانتفاضة بهذا النمط الذي سارت عليه، ولم تكن حساباتها دقيقة ومحسوبة جيداً من ناحية إمكانية تحقيق هدفها وهو ليس هدفا استراتيجياً، بل كانت خطوة تكتيكية نزقة خطط لها ياسر عرفات كضاغط في اتجاه المفاوضات، ولكن المفاجأة من هكذا تأزم غير محسوب كانت مدمرة.

 

هذا الخطأ الاستراتيجي في الحسابات، والتكتيكي في الهدف الذي تمناه الاسرائيليون واستقبلوه بذكاء قلب الطاولة وغير بالسلب قواعد اللعبة الإستراتيجية وهي لعبة السلام، وهنا مكمن الخطر الذي أحاط بنا كشعب فلسطيني، وبالنتيجة تغير السياق العام للحالة الفلسطينية، ومات ياسر عرفات وضعفت فتح وترهلت، وكبرت حماس وقوي التيار الإسلامي، وتغطرست إسرائيل وتنكرت للسلام، وذابت الأحزاب والفصائل الوطنية في طريق الدفاع عن الذات في مواجهة خطرين استراتيجيين، أولهما المد الأصولي الديني واستقوائه، وثانيهما الخطر الصهيوني وغطرسته، ولم تستطع الأحزاب والفصائل الوطنية حتى الحفاظ على ذاتها وبدت وكأنها علامات تاريخية على الطريق.

 

اهتزت الشخصية الوطنية الفلسطينية الجامعة وأجريت الانتخابات الرئاسية تقلد فيها القيادة الرئيس أبو مازن، تلك الشخصية  الغريبة المؤمنة بالسلام وممارسته في أقسى وأقصى الظروف وعن قناعة جنونية بإمكانية السلام مع إسرائيل في ظرف تغيرت فيه البيئة المناسبة للسلام عن السابق وتغلب فيه العداء المتبادل، وتغيرت فيه الشخصية والهوية الفلسطينية إلي حد كبير وبقوة نحو النزعة والهوية الإسلامية وعلى خلفية تصاعد بدائل الحركة الإسلامية حماس والجهاد وتجمعات إسلامية أخرى والذين تمنوا مبكراً هذه الفرصة للإحلال والإزاحة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتيار الوطني الفلسطيني، لتبدأ قصة جديدة وتنجح حماس في فرض أغلبيتها على الناخب الفلسطيني في المجلس التشريعي وتغتنم الفرصة للإقصاء والتغيير بالقوة لاحقا إبان الانقلاب الحمساوي على الديمقراطية الفلسطينية التي جاءت بحماس إلى الواجهة وفي المقابل تنفض إسرائيل يدها من عملية السلام كلية.

 

اجتاحت إسرائيل المناطق الفلسطينية من جديد لتعيد الاحتلال وتزداد معاناة الفلسطينيين ويزداد الإرباك والعوز والفقر وبعدها اهتزاز السلطة وضعف التيار المركزي في منظمة التحرير “حركة فتح” وفقد الكثيرون مصادر طاقتهم الوطنية والمعيشية وفرص العمل داخل إسرائيل ليصبح الفلسطينيون مكشوفين اقتصادياً وباهتزاز السلطة وانقلاب حماس ينكشف الفلسطينيون سياسياً أكثر أمام العالم، ويتراجع الدور العربي بالإنقسام في المواقف من الأطراف الفلسطينية وعدم التوصل إلي مصالحة، وتوجت حروب غزة المدمرة الضعف والانكشاف الفلسطيني الذي بات أكثر تعرية لتهتز الشخصية والذات الفلسطينية أكثر داخلياً وخارجياً فيتصاعد الانقسام الذاتي والشخصي الفلسطيني أمام تلاحق الضربات وعدم تمكن الفلسطينيين من مواجهة ما فعلوه بأنفسهم من ضرر، فغدوا في حالة ضعف مخجلة أضعفت الذات والمجموع وأحبطت الطاقة التي كان يتمتع بها الفلسطيني نحو قضيته الوطنية طوال القرن الماضي.

 

أصبح هنا كانتونان فلسطينيان كل له مشاكله وهويته وإعلامه وحكامه، وامتد الانقسام ليعم الجميع الفلسطيني في الشتات والمهجر وداخل الخط الأخضر في رحلة تغيير خطيرة على الشخصية الفلسطينية، ومازالت عوامل وتفاعل الانقسام تعمل عملها في الذات وفي الشخصية الفلسطينية وتتعمق في مأزق وضع الفلسطينيون أنفسهم فيه دون حسابات للنتائج والتأثير السلبي على القضية عامة وعلى الشخصية الفلسطينية .

 

أصبحت الشخصية الفلسطينية تعاني من حالة الانفصام واستمر الإسلاميون في رحلة الإحلال والاستيلاء على التاريخ وعلى الانجازات في خطوات متسرعة وغير محسوبة بدقة على الصعيد الاستراتيجي، ساهمت في اهتزاز الشخصية الفلسطينية أكثر، وبطريقة قصريه للنمو دون حساب للوقت والزمن الحقيقي المطلوب للتغيير وخاصة المفاهيم الأيديولوجية والتكفيرية والتخوينية والحاكمية السلطوية السماوية وتغيير الهوية حتى اصطدموا هم أنفسهم بحواجز وموانع الجغرافيا السياسية مع المحيط، فباتوا في أزمة وأصبحوا ثقلاً على القضية والشخصية الفلسطينية وعلى شعبهم، وكل هذا مازال يفعل فعله على الشخصية الفلسطينية حتى بات الفلسطينيون شيعاً وقبائلا وليس شعباً واحداً كما كان سابقاً بالمعنى والملموس، وأسوأها الفئة المؤمنة والفئة الكافرة التي أفرزت في النهاية تفجير المؤمن في المؤمن حسب أفكارهم.

 

على صعيد العلاقات فلينظر الفلسطينيون كيف يتعامل معهم الأغيار؟.. فالفلسطيني أصبح في نظر الآخرين إما حمساوي أو فتحاوي ثم الآن حمساوي يتفجر من إرهابي داعشي،  وتراجع الجامع الفلسطيني للشخصية الفلسطينية ولازال تكريس غياب هذا الجامع أمام الإعلام المختلف والمضاد والإتهام المتبادل كما نلاحظه في تليفزيون فلسطين وتليفزيون الأقصى والإذاعات المحلية بثقافتها الأصولية واختلاف الاهتمام والتنظير، وأصبح الجميع في أزمة ليس فقط من الاحتلال كما كان سابقاً، ولكن في مأزق الانقسام أو الانفصام في الشخصية الفلسطينية.

 

هكذا لم نعد شعباً واحداً وشخصية واحدة، وهنا مكمن الخطر.. لأن ذلك في طريقه أدي إلي اختلاف وتنوع في المنظور والتوجه وحتى العاطفة، والأخطر صيغة الإستئصال الجديدة بالتفجير في بعضنا البعض حتى لم يعد الفلسطيني حقيقة يمارس عمله أو نشاطه وفي ذهنه الاحتلال أو قضية التحرر وانتقل من فترة الانشغال بالمصلحة الخاصة والراتب والوظيفة والفقر والمرض والخلافات بين فتح وحماس وغياب المصالحة إلى مربع الخوف والقلق، وبات هاجسه الأمن والحماية من التفجير القادم.

 

كل هذا التدهور الخطير في الشخصية الفلسطينية الذي أوصله إلي مجتمع الكراهية في رحلة تفتت لم يسبقها مثيل في الساحة الفلسطينية رغم الاختلافات الجمة التي كانت تصاحب العمل الوطني الفلسطيني على مدي قرن من الزمان .

 

مجتمع الكراهية هذا نما وتواصلت فيه ظواهر المرض على المجموعات الفلسطينية في كل مكان وظهرت أعراضها بشكل فاضح وفاقع في ظواهر الانحرافات السلوكية والأخلاقية والجريمة، وآخرها تفجيرات غزة مما يؤكد العمق في الشرخ والانقسام الذاتي والشخصي الفلسطيني، وحتى في الجريمة والانحراف لم يعد الفلسطينيون موحدين، والحالة مستمرة في تمزيق ما تبقى من وحدة في الذات والشخصية الفلسطينية، والعلاقات البينية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك تشرذم وتشظي النسيج الفلسطيني حقيقة. انظروا إلي الأسرة الواحدة كيف وصلت الأمور بسبب الحالة المنفصمة أو المنقسمة، وكذلك الحزب الواحد والمؤسسة الواحدة وتشكل مجتمع الكراهية في الكل الفلسطيني خارجياً وداخلياً.

 

أصبح العالم يتعامل معنا كأفراد أو مجموعات بعيدة عن السياق الوطني الواحد فالناس مثلا في غزة نصفهم وأكثر يعتبرون الحصار على حماس وليس عليهم وولاءهم لفتح، ونصف الناس بالضفة يعتبرون أنفسهم خارج منظومة العرف والتقاليد والقانون وهم ليسوا تابعين للنظام في الضفة الغربية وولاءاتهم متعددة، وكذلك الفلسطينيون في المهجر والشتات ليسوا أحسن حالا فهناك انقسامات حادة بينهم، وأيضاً في داخل الخط الأخضر.

 

تقدمت الحالة المرضية للشخصية الفلسطينية وابتعدت عن القضية الأم وعن الاحتلال، وغادرت إلي المصلحة الخاصة أو المصلحة الحامية كالحزب، وأصبح كل شخص يمثل نفسه ويبتعد عن الآخرين حتى في داخل الأسرة الواحدة، وكذلك تظهر الذاتية المفرطة داخل الأحزاب التي باتت لا تطعم ولا تغني من جوع وكلها في حالة ارتباك من غياب الوحدة وانقسام الوطن، وكل منا أصبح في داخله إحساس ويترجمه في سلوكه بأنه شعب لوحده وبمفرده وغير معجب بالآخرين، ولم تعد الكتلة الفلسطينية الكلية لها وزنها الأصلي والحقيقي كالسابق وصفاتها المتماثلة والمتناغمة، فهي في حالة فقدان الوزن والتوازن والتأثير وتتحرك في الفضاء دون ضوابط ذاتية أو موضوعية، والجميع يعاني، فقد قفزت حماس وقياداتها في الفضاء ودون حسابات حقيقية، وفقدت الأحزاب الوطنية وقياداتها توازنها، وبات الشعب الفلسطيني بعيداً عن قضية التحرر والاستقلال، وذهب كأفراد إلي مستقبل غامض قد لا يعود معه شعباً واحدا له قضية واحدة ومستقبل واحد، ولازال العرض مستمراً على كل شاشات العرض الفضائي والإذاعي والصحفي والاليكتروني في وقت تزداد فيه الشخصية الإسرائيلية تماسكاً وقوة واتحادا وانجازا في تحدٍ لقوى العالم أجمع، الجديد منها والقديم، بثقة وتؤدة بينما تزداد الشخصية الفلسطينية مرضاً ومعاناة وضياعا وعدم اتزان أمام أنفسهم وأمام الآخرين وغير قادرة على مواجهة الذات والآخر، وبدأوا في تفجير أنفسهم في بعضهم ستتسع دائرة الإنتحار والقتل فيها ليهاجر من يهاجر ويصاب من يصاب ويقتل من يقتل، وهكذا ينتحر الفلسطينيون ذاتيا، ومازال المتنفذون الفلسطينيون يعمقون الشرخ بينهم وكأنه عن قصد فيقدمون خدمة جليلة للمشروع الصهيوني وتدمير الشخصية الفلسطينية بعد أن دمروا القضية وكرسوا الاحتلال .

 

فماذا فعل “كبار الحيل”  السادة المنقسمون بجهلهم وأحلامهم المدمرة، بعد أن لم يتقنوا الصراع مع الاحتلال ليذهبوا إلي الصراع التكفيري لبعضهم البعض وللآخرين، لتفجرون وتتفجرون ومازلتم تُنظٍّرون علينا بفهمكم للسياسة، لتصبحوا “مثل العريان اللي بيظرط لحفة” كما يقول المثل الفلسطيني.