د. طلال الشريف يكتب: ماذا لدى موسكو لإنجاح الحوار بين الفصائل الفلسطينية وتحقيق المصالحة

 

موسكو تنظم حواراً شاملاً بين الفصائل الفلسطينية منتصف الشهر المقبل، هكذا سيبقى العنوان البارز حتى الخامس عشر من شباط القادم.

هل ستكون هي الفرصة الأخيرة أو الأمل الأخير لمصالحة الإخوة الأعداء،؟.. ويا لها من مصادفة غريبة أن الأمل الفلسطيني يذهب هذه المرة لعاصمة الإخوة كارامازوف الرواية الشهيرة التي ألفها فيودور ديستوفسكي في العام 1880م، تلك الرواية التي عالجت بنجاح كثيراً من القضايا التي تتعلق بالبشر، كالروابط العائلية وتربية الأطفال والعلاقة بين الدولة والكنيسة وفوق كل ذلك مسؤولية كل شخص تجاه الآخرين، فهل ستصادف عاصمتها معالجة الخلاف الفلسطيني بنجاح أيضا؟.. سؤال نتمنى أن تكون الإجابة عليه إيجابية حيث تتوفر كل عناصر النجاح لموسكو لرأب الصدع الفلسطيني في شباط المقبل. فما هي حيثيات وعناصر وبيئة النجاح هذا؟

على نار هادئة أعدت وزارة الخارجية الروسية للقاء في موسكو لتنظيم حوار شامل بين الفصائل الفلسطينية.. ونعيد السؤال الذي يطرح نفسه كما العنوان: ماذا لدى موسكو من جمع الفصائل الفلسطينية وخاصة حماس وفتح؟.. وهل في إستطاعة روسيا إخراج الفلسطينيين من مأزقهم وإتمام المصالحة الداخلية بين حركتي فتح وحماس وإنهاء الانقسام الممتد منذ 12 عاما، بفعل انقلاب حماس على النظام السياسي الفلسطيني واستيلائها على قطاع غزة؟.

نقول: ستنجح موسكو في جسر الهوة والمساهمة في ترتيب البيت الداخلي ودفع عجلة المصالحة المتعثرة إلى الإمام، وبالطبع لن تتأخر حماس أو فتح  وفصائل منظمة التحرير عن هذا الحوار الذي يحمل أهمية وآمالا كبيرة في ظل الظروف التي تعصف بالقضية الفلسطينية، كصفقة القرن والاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها.

بعد أن جدد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، نهاية العام المنصرم، الدعوة للأطراف الفلسطينية للاجتماع في موسكو لبحث تحقيق المصالحة الوطنية، دون أي شروط مسبقة، وكذلك مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف يعلن في ديسمبر كانون الأول 2018، عن استعداد بلاده لتنظيم لقاء يجمع ممثلين عن حركتي حماس وفتح الفلسطينيتين في موسكو، للإسهام في تحقيق المصالحة الوطنية بين الطرفين.

ورغم تأجيل زيارة كان سيقوم بها إسماعيل هنية إلى روسيا بدعوة من وزارة الخارجية الروسية والتي تحمل الكثير من جدية الاهتمام الروسي بموضوع المصالحة الفلسطينية، وأن الآمال الفلسطينية أضحت معقودة فعلا على موسكو لرأب الصدع الفلسطيني وإلا بعده الطوفان.

لو عدنا للوراء نقول: شهدت المنطقة العربية أنشطة دبلوماسية روسية مكثفة منذ عام 2009 هدفت إلى إمكانية التعاون العربي الروسي، في الوقت نفسه كان الإعلان الروسي على أنها أحد أهم الأطراف المعنية بأمن الخليج من الأخطار التي تتهدده، وقد عملت روسيا على توقيع العديد من الاتفاقيات التي من شأنها ترسيخ التعاون والتبادل التجاري والثقافي والعلمي في وقت كانت فيه العلاقات الأمريكية العربية تشهد قدراً من التراجع بسبب موقفها من القضية الفلسطينية.

توقعاتنا أن التوجه الروسي إلى المنطقة العربية لا يسعى إلى مجرد تحقيق مكاسب سياسية أو ممارسة دور أمنى أو عسكري لمنافسة الدور الأمريكي المتواجد بقوة في المنطقة العربية، بل تعمل موسكو من أجل شراكة استراتيجية اقتصادية وتقنية تتمكن من عائد اقتصادي مباشر لروسيا، ولذلك كانت المصالح الروسية في المنطقة ترتبط بالدول الخليجية والتركيز على مصادر الطاقة، ومن خلال التعاون التقني في المجالات الصناعية، بالإضافة إلى التعاون العسكري، وبالتالي أصبح لروسيا مصالح مشتركة مع الدول العربية مع بداية التغيير في الأنظمة العربية، حتى أصبح قطاع الطاقة هو جوهر الشراكة العربية الروسية، ومن خلال المشاركة في عمليات البحث والتنقيب وتطوير الإنتاج لما تمتلكه روسيا من التكنولوجيا والخبرة اللازمة في مجال الكشف والتنقيب عن البترول وفي مجال الصناعات البتروكيماوية، فضلا عن أن المنطقة العربية تمثل سوقاً استيعابية كبيرة للصادرات الروسية من السلع الاستراتيجية مثل الآلات والمعدات والأجهزة والشاحنات والحبوب.

أهداف ومحددات  السلوك الروسي تجاه منطقة الشرق الأوسط شأنها شأن الدول العظمى، فهي توازن بين المحددات المحلية والدولية، وبين الاعتبارات الداخلية والخارجية، بل وتسعى لتوظيف السياسة الخارجية بما يتفق ومصالحها الداخلية. وعند الحديث عن الدور الروسي وفهم المحددات بالنظر إلى تاريخية هذا الدور، فهو ليس دورا جديدا أو علاقة طارئة بالمنطقة، بل هو إعادة تفعيل لدور فاعل سابق لروسيا في المنطقة العربية بأنماط ومصالح جديدة، خاصة وأن موسكو ارتبطت ببعض دول المنطقة بعلاقات استراتيچية، وما زالت تمسك بأكثر من ورقة من أوراق اللعبة السياسية، من خلال علاقاتها المتميزة والتاريخية مع دول مثل الجزائر وسوريا والعراق سابقا وإيران ولبنان وفلسطين ونضيف إليها الآن علاقات مع تركيا ودول الخليج، وتستعيد زخم العلاقة التاريخية مع جمهورية مصر العربية مركز وقلب العرب والمنطقة الدائم.

منطقة الشرق الأوسط شهدت وتشهد هزات سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية وطائفية وعرقية ودينية شديدة التعقيد والخطورة، وبها العديد من الملفات الحساسة التي تأخذ طابعا دوليا، ولها امتداداتها وتشعباتها.

روسيا لها ثلاث مصالح كبرى وأساسية تحدد نمط السلوك الروسي في الشرق الأوسط بصفة عامة، ومنطقة الوطن العربي على وجه الخصوص:

١-  وهنا سؤال غامض: هل نحن أمام عمل مشترك مع الولايات المتحدة بعد أن كان العمل سابقا على إنهاك دور الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيا بمزاحمتها في منطقة الشرق الأوسط أيام الحرب الباردة؟

٢- ترتبط الآن سياسة موسكو الخارجية بالمصالح الاقتصادية الروسية “أولا” في منطقة الشرق الأوسط وقد تغيرت طبيعة السياسة الخارجية السابقة التي كانت في الأساس معتمدة على الأدلجة والتحالفات الأيديولوجية أولا ثم المصالح الاقتصادية ثانيا.

٣-  مصالح أمنية تفرضها قواعد  الجيوبوليتكس، وأن السياسة الخارجية الروسية الجديدة تنطلق من أهمية القيمة الجغرافية والإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط التي تهدد عمق روسيا في اتجاه تحالفات بعض دول الجوار مع الولايات المتحدة، وكذلك خطر التوجهات الأصولية للجماعات الاسلامية في دول وشعوب المنطقة الملاصقة لها.

موسكو بإمكاناتها وإرثها السياسي وتوجهاتها الحالية ستتمكن بالتأكيد من لعب دور بارز في تشكيل العالم الجديد رغم الحذر الروسي في هذه المنطقة المليئة بالألغام السياسية، ومحاولتها كسب كل  الأطراف. فمثلاً تدعم موسكو طهران، مع محاولتها عدم استعداء دول  الخليج، وهي دعمت وتدعم دمشق منذ البدء ونجحت في توجيه الأزمة السورية نحو الانفراج دون معارضة من الآخرين، وحاربت مع سوريا وايران وحزب الله الجماعات الارهابية في سوريا رغم وجود الأمريكان واسرائيل وتركيا بقوة في الحالة السورية.

و كان اهتمام موسكو منذ انهيار الاتحاد السوفياتي بشكل خاص بكلٍ من تركيا وإيران، وذلك لأنهما أكثر دولتين في الشرق الأوسط رغبة في النفاذ إلى المنطقة العربية والقوقاز ومحاولة اختراقهما والسيطرة عليهما، لوجود نوع من الارتباط الديني أو العرقي أو اللغوي بين هاتين الدولتين وبين الشعوب القوقازية وآسيا الوسطى والعرب كمسلمين، ولعل توثيق العلاقات مع إيران يزعج الولايات المتحدة، ويجني أرباحا اقتصادية جيدة من إيران.

الأزمة في سوريا كشفت فاعلية الدور الروسي في المنطقة، ومثلت نقطة تحول مفصلية بينت استعادة روسيا لمكانتها كقوة كبرى مؤثرة في شؤون المنطقة، وهي ـ أي روسيا ـ  مازالت تقود مسار الأحداث بعد أن سلمت القوى الدولية والإقليمية الأخرى بالرؤية الروسية القائمة على ضرورة الانتقال السلمي للسلطة كطريق وحيد لتسوية الأزمة السورية واحتواء تداعياتها الكارثية.

وروسيا  تنطلق من رؤية تقوم على التعاون وليس المواجهة والصراع مع الولايات المتحدة بعد انتخاب ترامب، فلم يعد هناك شرق أو غرب، وإنما مجموعة من القوى الكبرى تقود العالم من بينها روسيا، والتي ترتبط بعلاقات تعاونية ومصالح حقيقية مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الكبرى. ورغم تأكيد روسيا الدائم على معارضتها للنظام أحادي القطبية وأهمية وجود نظام دولي متعدد القوى، يتسم بالعدالة واحترام القانون الدولي والشرعية الدولية وبدور أوسع للمنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، فإن روسيا ترتبط بمصالح استراتيجية وحقيقية مع الولايات المتحدة، رغم أن القيادة الروسية تدرك أن الولايات المتحدة هي الفاعل الأساسي في منطقة الشرق الأوسط وفى عملية التسوية، ولا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة في ذلك، وإنما إلى المساعدة وبذل جهود قد تسهم في التوصل لتسوية شاملة تحقق الأمن والاستقرار في المنطقة. من ناحية أخرى، وهنا سؤال مطروح أيضا: هل تنجح موسكو في تغيير رفض إسرائيل أي وساطة غير تلك الأمريكية، خاصة وأن هناك علاقة خاصة هامة ومعقولة بين بوتين وبنيامبن نتنياهو؟.. ولكن هل تمتلك روسيا إمكانيات للتأثير والضغط على تل أبيب؟.. سؤال تبقى الإجابة عليه مؤجلة لما بعد الانتخابات الإسرائيلية في آذار المقبل، ما يسمح بلعب روسيا دورا إيجابيا وداعما للقضية الفلسطينية، والذي سيتعزز في حال نجحت موسكو في إنجاز المصالحة الفلسطينية، ومن ناحية أخرى يمثل خطوة أساسية لتفعيل الدور الروسي كراع ثان لعملية السلام وإحياء اللجنة الرباعية للتسوية السلمية بالمنطقة، وسيعزز ذلك بأي حال من الأحوال  الدعم الدبلوماسي والفني الروسي للسلطة والحكومة الفلسطينية الفصائلية الجديدة والإعداد للإنتخابات الفلسطينية، سيما في مواجهة الضغوط الأمريكية وتعديل صفقة القرن، وتعزيز الموقف الأوروبي ومنع تبعيته المطلقة للموقف الأمريكي المتطرف الذي يهدد السلام العالمي بتصفيته القضية الفلسطينية وانفراده السافر المنحاز لصالح أحد طرفي الصراع، وهو إسرائيل.

روسيا تتمتع بعلاقات جيدة مع كل أطراف التأثير على الفصائل الفلسطينية، بدءا بإيران ومرورا بتركيا ومصر وسوريا ودول الخليج كافة، بما فيها قطر، وليس إنتهاء بإسرائيل وهي الطرف الآخر للمعادلة، إذا ما غض الطرف الأمريكي أو أجبر على دور روسي فاعل، كما الدور الروسي في حل الأزمة السورية.

بعد هذا الاستعراض لجوانب وتداخلات الحالة الروسية الدولية، بما فيها ما يخص القضية الفلسطينية وسعي موسكو لجلب الأطراف الفلسطينية لإتمام المصالحة، يبقى سؤال يحيرني حقيقة في عمقي الذهني وهو: هل موسكو ترسم طريقا جديدا بجمعها الفصائل الفلسطينية، وتوقعاتي إيجابية لنجاحها في إخراج الفلسطينيين من أزمتهم هذه المرة، فهل هي تتصدي لصفقة القرن وإبطالها أم هو تدخل معلوم للولايات المتحدة ( ترامب) خاصة وأنه منذ إنتخاب ترامب وقضية التدخل الروسي في إنجاحه في الانتخابات الأمريكية، وهو ما يوحي بأن هناك خيطا رفيعا غير مرئي بين ترامب وبوتين لتكملة الأدوار في قضايا دولية كبرى تهدد السلم العالمي مثل قضية كوريا الشمالية والقضية السورية وقضية أوكرانيا، والقضية الأكثر خطورة على السلم العالمين وهي القضية الفلسطينية، حيث أننا بصدد الحديث عن إنجاح المصالحة بين الإخوة الأعداء حماس وفتح في عاصمة ديستوفسكي الذي حاول إصلاح الإخوة كارامازوف في روايته الإخوة الأعداء.

فهل تنجح موسكو في تحقيق المصالحة الفلسطينية، ولديها كل العلاقات المؤثرة بكل الأطراف التي تتحكم في قرارات حماس وفتح؟… نعم ستنجح وعبر الدور المصري السابق والمستمر في حمل ملف المصالحة…  مجبرين أن نقول: أعدوا للإنتخابات القادمة في فلسطين أيها الفلسطينيون وإلا بعد ذلك الطوفان.