د. طلال الشريف يكتب.. نحو منظومة عمل جديدة مبنية على فكر تحرري سليم في فلسطين

109

يغلب على منظري السياسة الفلسطينية وخاصة اليساريين منهم التحليل المبتور والسطحي أحيانا بعد أن كانوا الأوائل في التحليل العميق الذي يعالج أي قضية بشكل جدلي بعيدا عن العواطف والمزاج العام.

التحليل السياسي الجدلي العلمي يجب ألا يخضع لمؤثرات خارج الحقائق وفي حالة مثل الحالة الفلسطينية وبعيدا عن المصلحة الحزبية، يجب الأخذ بعين الإعتبار تغيرات الحالة العربية والاقليمية والعالمية وإدراك طبيعة التغيرات الاقتصادية والسياسية والثقافية في العالم وخاصة هذه التشابكات الحديثة في نظام العولمة بدقة.

التحليل والكتابة السياسية العربية الآنية هي نوع من البكاء على الأطلال وتوقف جامد تجاه تغيرات الثقافة وإدارة الحياة السياسية الجديدة وهو بالطبع ثقافة ناتجة عن تردي حالة العرب والمسلمين وتلك البيئة الحاضنة لهم أو هي موجهة من دول غربية لصالح سياساتها في المنطقة ولتنفيذ مخطاطاتها.

اليسار الفلسطيني ليس بعيدا عن اليمين والوسط الفلسطيني في أزمته مقارنة مع العالم وتغيراته ونذكر هنا اليسار الفلسطيني بالذات حيث جذور غالبية كتابنا هي ثقافة يسارية، ويتوهم منظروا بقايا اليسار الفلسطيني بأنهم بعيدون عن انتكاسة الواقع العربي والشرق أوسطي في محاولة لإقناع أنفسهم بأنهم أفضل منه وأنهم ليسوا جزء من هذا التردي، ولذلك تبدو نظرتهم وتحليلاتهم متعالية غالبا عن الواقع العربي ومازالوا يشعرون وكأن الثورة الفلسطينية أو الحالة الفلسطينية ستسبح في بيئة أفضل لو تبعهم الآخرون، وكأن الحالة الفلسطينية بمعزل عن بيئتها، ويسهون عن قواعد الديالكتيك بأن الحالة الفلسطينية هي بمجملها نتاج هذا الواقع العربي المأزوم وتدخلاته واجتهاداته وأمواله، بل إن الحالة الفلسطينية هي نتاجه الأسوأ، فالانحطاط في البيئة والحالة الفلسطينية هي أدنى مرتبة من الانحطاط العربي تحت قيادة هذا النظام السياسي الفلسطيني المنتج عربيا أصلا ودليل ذلك إنقسام الوطن قبل التحرر والصراع على سلطة تحت سلطة الإحتلال.

إن من يسمون بالرجعية العربية أو من يطلقون على أنفسهم صفة التقدمية والديمقراطية أو التيار الاسلامي الانعزالي الجديد بعد تجربة حكم حماس قد فشلوا جميعا في نقل قضيتنا الفلسطينية إلى الأمام خطوة.

ليس هناك ميزات بين مكونات النظام الفلسطيني بمجمله عن النظام العربي والإسلامي البائسة، بل أدخلنا الخليط الجديد من حالة جمع التيار الوطني مع جماعات الإسلام السياسي بكل مكوناتها في الحكم وخارجه بعد انتخابات ٢٠٠٦م ليصبح النظام السياسي الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي يشكل أسوأ خلطة سياسية عرفها التاريخ العربي عامة والفلسطيني خاصة حيث تسببت في ضياع قضية وشعب بدل التحرير والاستقلال، وباعتقادي أن التنظيمات الفلسطينية بكل تلاوينها ما زالت تدور في فلك الذاتية المهزومة والمأزومة حتى بعتادها المسمى مقاوم لعدم تناسب تراكيبها ورؤاها التي فشلت في تغيير الواقع أولا، وثانيا فشلت في صناعة العضو الحزبي الحصين أو المثقف العضوي المناسب للصراع، وتطوير الإدراك والثقافة لديه وبالنتيجة هذا السلوك الغريب الذي نراه عند تكبير الصورة والتركيز في أداء العناصر والقيادات الفلسطينية التي لا فرق بين اليساري واليميني والوسطي وحتى الداعشي فيها.

من هنا يجب أن تكون لدينا ملاحظة وعبرة وقراءة معمقة في تجربة سوريا ومصر وباختصار شديد، في سوريا حيث كان المنقذ للبلاد ليست الأحزاب بل التواجد الفاعل الروسي وحزب الله في الصراع وفي مصر كانت مؤسسة الجيش هي المنقذ وليست تلك الأحزاب الحاكمة الفاسدة والفاشلة فتجربة الأحزاب في الوطن العربي وفي فلسطين هي من أسوأ تجارب التاريخ السياسي وهي التي هزمت دولها وقضاياها في المحكات والعدوان كما رأيناه في العراق واليمن.

أما النخب السياسية والثقافية في فلسطين فقد انصهرت في النظام أسوأ انصهار بطريقتين إما تكورا حول وظيفتها ومصدر رزقها وراتب السلطة وأصبحت من أحد حزبي السلطة في غزة أو رام الله، أو مع من يسمون أنفسهم معارضة حتى الآن بعيدا عن أي سلطة هنا أو هناك وهؤلاء تكوروا أيضا حول مصالحهم ورزقم أو راتبهم في منظمات ما يسمى بالمجتمع المدني المعولم بمال الرأسمالية، وأما من وجد نفسه مستقلا حقيقة فقد تراجعت مواقفه وجماهيريته أمام الاستقطاب الحاد حول المنافع من السلطتين، وانقرضت فعلا شريحة النخب المستقلة نتيجة البطالة العامة ومتطلبات العمل السياسي المالية فوجد جزء منهم طريقهم لا إراديا لأحد الفريقين لحزبي السلطة المتخلفة وأصبح هؤلاء يدورون في فلك أيا من السلطتين أو ذهبوا للعمل الأهلي المعولم تحت العباءة الأمريكية وأعوانها من دول المشاريع والمانحين، والأسوأ من هؤلاء كلهم هم المبتعدون عن السلطتين والعمل الأهلي ممن ركبوا موجة الفهلوة الخاصة فذهبوا للسوق للمتاجرة بالثقافة أو الإعلام الخاص فازدادوا ابتعادا عن الحوزة الوطنية وانصهروا عميقا في المتاجرة السياسية الأبشع من الرأسمالية للكسب المادي في فوضى الإعلام والتطبيل والتضليل دون قيود ودون حدود في رحلة الجشع المالي فأضحوا أسوأ من الآخرين.

هذا النظام السياسي البائس والحالة السياسية المتردية في فلسطين التي تقادمت بفعل الهزائم المتلاحقة وعدم تناسبها مع إمكانية الصراع مع المحتل بالشكل والمضمون المطلوبين وأصبحت عقبة أو عقبات في طريق التحرر تجتاحها الأمراض السياسية التي شارفت على تدمير أي حالة ناهضة في المجتمع الفلسطيني.

وكما نري وترون أن الحالة الفلسطينية المغلقة كأهل الكهف إن ببعدها العربي والإسلامي المأزوم والمهزوم أو ببعدها الفلسطيني المأزوم والمهزوم أيضا هما بحاجة كبيرة وماسة لفكر جديد ورؤية جديدة للنهوض أساسها تأجيل أي تعاطي مع طروحات حل القضية الفلسطينية وعدم الانزلاق للسيناريوهات المطروحة لتصفية القضية حتى الخلاص من إعادة بناء الذاتية الفلسطينية على أسس موضوعية تتناسب وطبيعة الصراع مع إسرائيل كطرف محتل وبعد كنس كل منظومة العمل السياسي وهذا النظام السياسي الحالي الفاشل وإنتاج منظومة عمل جديدة مبنية على فكر تحرري سليم تقف على رأسه قيادة واعية بالحاضر والمستقبل وتحمل برنامجا واقعيا يتناسب مع إمكانيات الشعب الفلسطيني الكبيرة التي ظهرت بوضوح حين تكون قيادتها كبيرة كأيام ياسر عرفات وتصغر تلك الإمكانيات حين تكون قياداتها صغيرة كما نحن الآن، ولن تنجح ترقيعات الحالة الفلسطينية ووقف تآكلاتها غير القابلة لترقيع الخلل في أساسات النظام السياسي بعيدا عما يتم من محاولات المصالحة والتهدئة التي تهدف لمنع الحرب والفوضى لأن السبب الرئيسي فيما اختلف عليه الفلسطينيون هو في الخلل والعوار الخطير في النظام السياسي ومركزة السلطات كلها بيد الرئيس وتلك حالة لن يغادرها النظام الذي بدا فساده غير مرتجع وغير قابل للإصلاح إلا بعملية ثورية تعطل العمل بهذه المنظومة وتبدأ طريقا جديدا ونظاما أكثر حرية وديمقراطية ومشاركة وشفافية ومحاسبة، وعليه أدعو من جديد لجبهة إنقاذ وطني تحرري من أجل الاستقلال تطلب من الجامعة العربية أو الأمم المتحدة حماية شعبنا من هيمنة النظام السياسي الفلسطيني بكل تلاوينه الموالين والمعارضة ومن الاحتلال أيضا لفترة انتقالية لحين توليد قيادة فلسطينية وازنة بعيدا عن هذا العبث المعيق من النظام السياسي والأحزاب حيث فشلوا في نقل شعبنا للأمام خطوة فدمروا القضية وقسموا البلد وسيطروا على المقدرات والإمكانيات والمساعدات وهجروا الكثير من أبناء شعبنا للمنافي بخلافاتهم وإدارتهم الفاشلة للصراع مع المحتل وفشلهم في إدارة حياة حياة الناس بعد أن نهبوا مقدراتهم ودمروا قضيتهم وأعاقوا تحررهم واستقلالهم.