د. عزام شعث يكتب: أزمات غزة.. الحصار وأسباب أخرى

عادةً ما يُرجِع المتابعون والمنغمسون في قضايا الشأن الفلسطيني أزمات قطاع غزة إلى سياسة الحصار الإسرائيلي المشدّد على القطاع منذ منتصف عام 2007، وما تبعها من تفاقم للأزمات على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ويكتفي هؤلاء بـ”شماعة” الاحتلال الإسرائيلي دون أنْ يُحيلوا بعضًا من أزماتنا وكوارثنا لأسبابٍ داخلية، أو أنْ يحمِّلوا جهاتٍ محلية معروفة المسؤولية عن استمرارها وتفاقمها. لا نُشكّك في وجاهة هذا الرأي من زاوية أنَّ إسرائيل هي قوة الاحتلال التي تتحمل مسؤوليات الإقليم المحتل بموجب قواعد القانون الدولي، غير أننا معنيين بتثبيت حقيقة أنَّ انقسام النظام السياسي الفلسطيني إلى حكومتين – في الضفة وغزة – وسيطرة حركة حماس على القطاع بالقوة وانفرادها بالحكم منذ منتصف عام 2007، كان سببًا مباشرًا في اندلاع الأزمات والكوارث وتفاقمها دون أنْ تبادر أيٍّ من الحكومتين وتتحمل مسؤولياتها تجاهها، وقد غاب عنهما أنَّ سلامة الأنظمة السياسية تُقاس بمقدار تبنيها للقضايا المجتمعية، وبقدرتها على تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والوطنية تجاه الأزمات والكوارث التي تُصيب مجتمعاتها، وفي بتداع الوسائل الناجعة لمواجهتها من أجل تحقيق رفاهية شعوبها في المحصلة النهائية.

ففي حريق وكارثة مخيم النصيرات وسط قطاع غزة بتاريخ 5 مارس 2020، والذي أودى بحياة 19 مواطنًا، وإصابة نحو 60 مواطنًا آخرين، وألحق أضرارًا بالغة في العشرات من المنشآت المدنية والمحال التجارية والعربات الخاصة، أرجعت الجهات الرسمية ضخامة الحدث وارتفاع أعداد الضحايا وعدم قدرتها على إطفاء الحريق والتغلب على آثاره إلى ضعف إمكاناتها جراء الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع، وعدم سماح السلطات الإسرائيلية المحتلة – طيلة سنوات الحصار – بإمداد وتزويد القطاع بالأدوات والمعدات اللازمة كالسيارات الحديثة والإطفائيات وغيرها. لا شك في أنَّ الحادثة كشفت ضعف إمكانات الهيئات المحلية وعدم قدرتها على مواجهة الأزمات والكوارث التي يتعرض لها سكان قطاع غزة على كل صعيد.. كان ذلك واضحًا عندما تداعى المواطنون من سكان المخيم والمارة والعاملين في المؤسسات المحلية غير الرسمية لإغاثة الضحايا والمصابين والتخفيف من آثار الفاجعة التي لحقت بهم، بديلًا عن الدور الذي ينبغي أن تضطلع به الهيئات المحلية في المدينة بحكم اختصاصها ومسؤولياتها.

لقد أظهر حريق النصيرات – أيضًا – أن ثمة أسباب أخرى لا ينبغي أن نُحيلها للحصار وإجراءاته وقيوده، سبقت الحادثة ولحقت بها، منها: عدم انطباق شروط ومعايير السلامة المهنية في المنشآت الخاصة التي تشرف عليها الهيئات المحلية ولجان حكومية أخرى؛ ومكابرة الجهات الرسمية، وعدم اعترافها بالتقصير أو تحملها لمسؤولياتها الأخلاقية والوطنية تجاه الفاجعة، وقد اكتفت بتشكيل لجنة تحقيق من مؤسسات رسمية؛ هي أطراف أصيلة بحكم مسؤوليتها، دون الأخذ بمبدأ تشكيل لجنة تحقيق من جهاتٍ فنيّة ومحايدة للوقوف على أسباب الحريق؛ لضمان عدم تكراره (وحتى تاريخ كتابة هذه السطور لم تُعلِن اللجنة نتائج التحقيق، وقد مرّ على تشكيلها أكثر من 12 يومًا)، والأكثر من ذلك أنَّ إقالة رئيس بلدية النصيرات ومدير جهاز الدفاع المدني في المدينة جاءت متأخرة أي بعد مرور نحو 8 أيام على الحادثة، وبعد المطالبة الشعبية وتوقيع العرائض بضرورة إقالتهما، وهذا لا يُفهم إلا في إطار التقصير والتخلي الواضح عن المسؤوليات دون اعتبار للضحايا وإنصافهم والانتصار لحقوقهم.

في مقابل ذلك كله، وفي ظل التقصير الحكومي الواضح، سجّلت مؤسسات مجتمعية وأهلية في قطاع غزة أدوارًا تُحسب لها في التعامل مع الكارثة منذ وقوعها، وقد امتدت إلى مؤازرة ذوي الضحايا وتضميد جراح المصابين، وإغاثة المتضررين، ومن الضروري أن نضيئ في هذا الجانب على دور دولة الإمارات العربية المتحدة ومساهمتها الجادة في التخفيف من آثار الكارثة، وذلك عبر اللجنة الوطنية الإسلامية للتنمية والتكافل الاجتماعي (تكافل).