د. عزام شعث يكتب: السياسة وأزمة التعليم في قطاع غزّة

 

 

احتلت قضية التعليم حيزًا واسعًا من اهتمام الفلسطينيين في مختلف العصور، وأدركوا مبكرًا أن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان؛ كفلته المواثيق والمعاهدات الدولية؛ بوصفه حقًا تمكينيًا، فهو السبيل لمواجهة الاحتلال، وهو أحد أركان استعادة الحقوق الوطنية، فأنشأوا مؤسسات التعليم العالي وطوروا أداءها، وتعزز دور الجامعة في رفد الحركة الوطنية بسبل البقاء والاستمرار، طيلة مسيرة النضال الوطني الممتدة.

ولقد واجه الفلسطينيون في سبيل ذلك تحديات عدة؛ نجمت عن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، وعن السياسات والممارسات الإسرائيلية المستمرة ضدهم.

بهذا المعنى تعاظمت أهمية التعليم على المستويين الفردي والجماعي، غير أن الأزمات المتعدّدة التي عرفها قطاع غزّة، خلال السنوات الاثنتي عشرة الأخيرة من تشديد للحصار الإسرائيلي، ووقوع الاقتتال الداخلي؛ وما تبعه من انقسام في مؤسسات النظام السياسي؛ ألقت بأعبائها الثقيلة على العملية التعليمية، فمن جهة عرقل الاحتلال الإسرائيلي المسيرة التعليمية، وخلق بيئة غير مواتية لتطوير قطاع التعليم عبر إحكام وتشديد الحصار، وما خلفه من ارتفاع لمعدلات الفقر والبطالة، ومن جهة ثانية زج طرفا الانقسام “فتح وحماس” العملية التعليمية في أتون النزاع السياسي الدائر بينهما منذ عام 2007، فارتهنت العملية التعليمية للمناكفات السياسية، وازداد الأمر سوءًا مع تخلي السلطة الفلسطينية عن مسؤولياتها الإدارية والقانونية في قطاع غزّة.

في ضوء هذه الظروف الضاغطة، تستقبل الجامعات الفلسطينية في غزّة عامها الدراسي على وقع أزمة مالية تعصف بها، وتُهدد بانهيار منظومة التعليم العالي برمتها. تتجسد أزمة الجامعات- راهنًا- في تراكم الديون المستحقة على الطلبة، وعدم قدرة الجامعات على توفير الرواتب الشهرية للعاملين فيها، ولا تسديد الديون المتراكمة عليها، مع تواصل عجز الموارد الذاتية.

وبعيدًا عن التجني، ودون مبالغة، فإن السلطة الفلسطينية وحركة حماس كانتا سببًا مباشرًا في إنتاج هاتين الأزمتين وتفاقمهما، ولا يمكن إعفاؤهما من مسؤولياتهما؛ فالأولى أقدمت في آذار/ مارس 2017- أي قبل نحو عامين ونصف- على فرض العقوبات التي طالت مناحي الحياة في قطاع غزّة كافة وأثرت فيها، وهي التي قلصت النفقات التشغيلية والتطويرية من الميزانية الحكومية المخصصة لقطاع التعليم؛ والثانية- أي “حماس”- هي التي تحكم القطاع وتسيطر على وزاراته، هيئاته وجامعاته سيطرةً مطلقة، في ظل غياب الشراكة والتوافق الوطني، وتراجع أولوية استعادة الوحدة وتوحيد مؤسسات النظام السياسي الفلسطيني.

كل ذلك يقودنا إلى أن أزمة التعليم العالي باتت أزمة شاملة، لا تنفصل فيها السياسة عن الاجتماع؛ فالطلبة لا يستطيعون الوفاء بالتزاماتهم تجاه الجامعة؛ في وقت يعانون فيه هم وأُسرهم من الفقر والبطالة وتراجع مستويات الدخل؛ ووزارة التعليم العالي لا تُخصّص موازنات مستقلة لدعم الجامعة، والإنفاق على الخطط التطويرية فيها؛ والجامعات لا تعتمد على موارد ذاتية لتغطية نفقاتها، ولا تجد الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتسوية أزمتها، فتلجأ إلى رفع الرسوم الجامعية، وخفض رواتب العاملين فيها؛ بما في ذلك خفض رواتب الأكاديميين والإداريين العاملين في الجامعات الحكومية إلى ما دون النصف؛ بفعل العقوبات المفروضة على قطاع غزّة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إنّ بعض الجامعات في قطاع غزّة لم تراعِ الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها سكان القطاع، فتخلت عن المسؤولية الوطنية المجتمعية، واتخذت إجراءات قاسية بحق الطلبة برفضها دخول بعضهم قاعات الامتحانات دون تسديد الرسوم الدراسية، واحتجازها لآلاف الشهادات الجامعية لخريجين تراكمت عليهم المستحقات المالية، ولم يستطع هؤلاء التغلب على الأزمة إلا بعد أن تدخلت اللجنة الوطنية الإسلامية للتنمية والتكافل الاجتماعي (تكافل)، ونفذت مشروع تحرير شهادات الخريجين الجامعيين؛ بتمويل من دولة الإمارات العربية المتحدة.

وفقًا لهذه الشواهد، يمكن القول أخيرًا: إن أزمة التعليم العالي في قطاع غزّة هي أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، وقد تتصاعد حدّتها، مع انطلاق العام الدراسي، فتربك سير العملية التعليمية وانتظامها، وتوتِر علاقة الجامعة مع الحركة الطلابية ومجالسها، ما لم تتوفر حلول جذرية دائمة وشاملة للمشكلات المالية؛ عبر تحمل السلطة مسؤولياتها، ومد ولايتها على قطاع غزّة، وتبني قطاع التعليم العالي الحكومي وإدارات الجامعات لسياسات عادلة من خلال الالتزام بدفع مخصصات الجامعات، وتفعيل الصندوق الوطني؛ لدعمها ولإقراض الطالب، وعدم اكتفاء الجامعات بإجراء رفع الرسوم الدراسية التي ثبت بالتجربة عدم فاعليته وجدواه.