د. عزام شعث يكتب: خُطى متعثّرة على طريق انتخابات مؤجلة

 

 التقى رئيس وأعضاء لجنة الانتخابات المركزية بممثلي الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية في قطاع غزة؛ لمناقشة الموقف من الدعوة للانتخابات العامة، وقد أعلنت الفصائل وحركة حماس عن موافقتها وجهوزيتها للمشاركة في الانتخابات، واستعدادها لبذل الجهود لإنجاح العملية الانتخابية، ثم نقل رئيس وأعضاء لجنة الانتخابات الموقف الفصائلي لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس؛ الذي أعلن “حرصه على إجراء الانتخابات، وتوفير كل الفرص لإنجازها”، وعاد الوفد إلى قطاع غزة يحمل موقف رئيس السلطة الفلسطينية، الذي قابلته الفصائل بالموافقة على انتخابات شاملة تبدأ بالتشريعي والرئاسة ثم المجلس الوطني لمنظمة التحرير؛ يسبقها لقاء وطني للبحث في التفاصيل؛ غير أنَّ الطرفين اختلفا في ثالث جولات الحوار على توقيت عقد “اللقاء الوطني”، قبل أو بعد، إصدار المرسوم الخاص بإجراء الانتخابات، ففي حين تطالب الفصائل الفلسطينية بعقد لقاء وطني يمهّد للانتخابات؛ يعترض رئيس السلطة ويُصرّ على إصدار المرسوم قبل اللقاء الوطني، ويُعدّ هذا الموقف المتعارض أول العقبات على طريق الانتخابات الفلسطينية المؤجلة.

المتابع لقضايا الشأن السياسي الفلسطيني، يدرك أنَّ هذا المشهد قد تكرر على مدى سنوات ما بعد الانقسام السياسي لسبع مرات (من فبراير 2011 وحتى نوفمبر 2017)، تعدّدت فيها المبادرات، وتكثفت محاولات التقريب بين طرفي الانقسام بوساطات فلسطينية، عربية أو دولية، بمشاركة الفصائل والقوى السياسية أو بمعزلٍ عنها؛ غير أنَّ هذه الجهود- على كثرتها- تعثرت وتوقفت دون إنجاز الاتفاق بشأن الانتخابات: شروطها، آلياتها ومواعيدها، ودون إحراز أيّ تقدم في مسار المصالحة الداخلية وقضاياها أيضًا، وسرعان ما كان طرفا الانقسام عقب كل جولة، يعودان إلى سيرتهما الأولى من تبني الإجراءات والسياسات التي تُباعد بينهما، وتعمّق الانقسام بمعنيّيه؛ السياسي والجغرافي.

الذي يجري هذه الأيام لا يختلف كثيرًا عن مشاهدٍ سابقة ألفها الفلسطينيون واعتادوا عليها، ولا يمكن تجاوز هذا الانطباع الراسخ لديهم دون الإقلاع وسريعًا نحو خطواتٍ متتالية ومدروسة؛ تُؤسّس لمفاهيم الشراكة ومعاني الوحدة الوطنية، وتُنهي صفحة سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، عبر بوابة الانتخابات العامة.

تعالوا نفترض جدلًا، بأنَّ طرفي الخصومة والانقسام؛ الحركتين الفلسطينيتين الأكبر “فتح” و”حماس” اقتنعتا وتوافقتا على إجراء الانتخابات العامة المتتاليّة في الضفة الغربية، ومدينة القدس المحتلة، وقطاع غزّة؛ بغض النظر عن الحسابات الحزبية الضيقة، وعن إدراك الحركتين بتراجع شعبيتهما بفعل تعثر برنامجهما في المقاومة والتسوية السياسية مع “إسرائيل”، وإخفاقهما في إدارة شؤون الحياة اليومية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي كلٌ في منطقة نفوذه في الضفة الغربية وقطاع غزة أيضًا، وما سوف تجلبه هذه الإخفاقات الممتدّة من تبدلٍ في الخارطة السياسية بعد الانتخابات؛ وأنَّ الرئيس الفلسطيني بموجب نواياهما أو اتفاقهما سيُصدر مرسومًا بالانتخابات التشريعية بعد ثلاثة أشهر، تليها الانتخابات الرئاسية بعد ثلاثة أشهر أخرى.. في حال تخيلنا هذا المشهد؛ لا ينبغي أنْ تغيب عنا أسئلة مُلحة تتعلق بالتفاصيل والإجراءات الخاصة بعقد الانتخابات، وهذه تحتاج إلى إجاباتٍ شافية ومنطقية: فمَنْ هي الجهة التي ستتولى عملية تنظيم الانتخابات والإشراف عليها؟ ولمَنْ تتبع الأجهزة الشرطية والأمنية التي ستتولى عملية تنظيم الانتخابات؟ ومَنْ هي الجهة الضامنة لانتخابات نزيهة وشفافة وغير مطعون فيها؟ ووفق أيّ صيغةٍ ستُشكل محكمة قضايا الانتخابات، ومَنْ هم قضاتها؟ وكيف سيمارس المرشحون وأحزابهم الدعاية الانتخابية في أجواء الانقسام وانتهاك الحق في حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي في الضفة الغربية وقطاع غزة على حدٍ سواء؟.

هذه أسئلة العقل التي ينبغي على أطراف العملية السياسية الإجابة عنها راهنًا، وهي متبوعة بطائفة أخرى، تتصل بمستقبل النظام السياسي في اليوم التالي للانتخابات، أهمها: هل من ضمانات لاحترام نتائج الانتخابات؟ بتعبير آخر: ما إمكانية أنْ تُسلم حركة فتح السلطة في الضفة الغربية لحركة حماس في حال فازت الأخيرة في الانتخابات؟، وفي المقابل ما إمكانية أنْ تُسلم حركة حماس السلطة في قطاع غزة لحركة فتح في حال فوزها في الانتخابات؟.. وفي حال لم تحصد أيٍ من الحركتين المقاعد المطلوبة لتشكيل الحكومة منفردة، كيف يمكن التوافق بين “فتح” و”حماس” على تشكيل حكومة ائتلافية، في ضوء مشهد الانقسام السياسي الراهن؟.

وهكذا، فإنَّ قضايا الجدل بين حركتي فتح وحماس في شأن المسألة الانتخابية وغيرها من قضايا الجدل الداخلي الممتدّة، ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات؛ فكلما تحاوروا فتحوا أبوابًا جديدة للخلاف، تؤجل الانتخابات، وتمد في عمر الانقسام.