د. عزام شعث يكتب: عن الانتخابات الفلسطينية.. ضرورتها وتحدياتها

 

دعت ثمانيةُ فصائل فلسطينية إلى إجراء الانتخابات الشاملة “التشريعية، والرئاسية، والمجلس الوطني” في منتصف عام 2020؛ وذلك ضمن بنود “الرؤية الوطنية لتحقيق الوحدة وإنهاء الانقسام”، التي تقدّمت بها إلى مصر وجامعة الدول العربية وحركتي فتح وحماس في 19/9/2019. كما أوصى مشاركون في مؤتمر نظّمه منتدى الحوار الوطني ومجلس الشباب الفلسطيني في غزة في 5/9/2019، بضرورة إجراء انتخابات المجالس المحلية، وتشكيل لجنة من الفصائل والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني؛ لإتمام إجراءات الانتخابات والإشراف عليها، وطالبوا بتبني وثيقة وطنية تعالج القضايا التي يمكن أنْ تُشكل عائقًا أمام انتخابات الهيئات المحلية في قطاع غزة. لقد أراد المنظمون والمشاركون في هذا المؤتمر أنْ تكون انتخابات الهيئات المحلية الخدمية خطوةً أولى ومتدرجة تفتح الطريق أمام انتخابات سياسية عامة في مناطق السلطة الفلسطينية، فيما يُعدّ مخرجًا لتجاوز واقع الانقسام السياسي الممتد وتعقيداته.

تتزامن هذه الدعوات مع جهود مكثفة وجادة تبذلها مصر من أجل طي صفحة الانقسام الفلسطيني، واستعادة الوحدة الوطنية، وصولًا إلى الانتخابات العامة، ومع تزايد مطالبات منظمات المجتمع المدني الفلسطينية، ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي بانتخابات عامة تشارك فيها القوى السياسية الفلسطينية وفقًا لنظام التمثيل النسبي، الذي يضمن تمثيلًا متوازنًا للأحزاب السياسية في الهيئات البرلمانية بحسب امتدادها الشعبي، والأوزان الحقيقية لها على الأرض، وتكون – أي الانتخابات العامة- السبيل لإنهاء الانقسام بالمعنيين السياسي والجغرافي، ولاستعادة الوحدة الوطنية، ولإعادة الاعتبار للنظام السياسي الفلسطيني بعد مُضي أكثر من أربعة عشر سنة على الانتخابات الرئاسية (يناير2005)، وأكثر من ثلاثة عشر سنة على الانتخابات التشريعية (يناير 2006)، وأكثر من اثنتي عشر سنة على انشقاق المجال السياسي إلى حكومتين؛ تسيطر إحداها على قطاع غزة (حركة حماس)، بينما تسيطر الأخرى على مناطق الضفة الغربية (حركة فتح) (يونيه 2007)، وعشر سنوات على انتهاء التفويض الشعبي الذي منحه الناخب الفلسطيني لمُمثليه، وهو ما يُعدّ انتكاسةً لعملية الانتقال الديمقراطي بكل المقاييس.

أنتجت هذه السنوات صورةً مشوهة لا تليق بالفلسطينيين؛ إذ ألقى الانقسام بظلاله الثقيلة وتداعياته السلبية على العلاقات الفلسطينية البينيّة، وأدى إلى تراجع مكانة المؤسسة الرسمية، وأسس للمأزق الذي وصل إليه المشروع الوطني في غياب البرنامج السياسي الذي يمثل الأهداف الوطنية كقواسم مشتركة.

المثير أنَّ قرار إجراء الانتخابات الفلسطينية – وعلى كل المستويات- يرتهن لمواقف حزبية ضيقة، ويخضع دائمًا لمنطق الربح والخسارة في حسابات طرفي الانقسام: “فتح” و”حماس”؛ فكلاهما يدركان حقيقة أنّهما لم يقدما أنموذجًا ناجحًا، وأنَّ تجربتهما في الحكم قد تعثرت وأخفقت، وأنَّ شعبيتهما قد تراجعت تراجعًا كبيرًا، وبدلًا من أنْ يكون ذلك كله مدخلًا لمراجعة تؤدي إلى تجديد الشرعيات؛ تغيب الإرادة لديهما، ويُصرّان على تأجيل الانتخابات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكأنَّ كُلًا منهما لن يُقدِم على الانتخابات، تنظيمًا ومشاركة، إلا بعد أنْ يكون الرابح الأكبر فيها؛ بصرف النظر عن حالة التشظي الراهنة، وخطورة استمرار الوضع الفلسطيني على حاله.

ثمّة حقائق كثيرة نستدل عليها من الواقع؛ تُفسر أسباب تعثر الانتخابات الفلسطينية والمماطلة في إجرائها، أولها، انخفاض شعبية الرئيس محمود عباس، ومطالبة ما نسبتهم (61%) من الرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة باستقالته من منصبه، فقد بلغت نسبة الرضا عن أدائه (37%) ونسبة عدم الرضا (60%)، وفق ما أظهره استطلاع للرأي نفّذه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (16/9/2019)، وثاني هذه الحقائق فشل حركة حماس في الحكم، وغياب الحلول والبدائل العملية لأزمات قطاع غزة على امتداد تجربتها منذ سنة 2007، وفوق ذلك، مخالفتها لمبادئ وأصول العمل الديمقراطي، وهي التي أعاقت الانتخابات البلدية، والنقابية، والطلابية بحُجة الانقسام، ولجأت إلى تعيين رؤساء وأعضاء مجالس بلدية في قطاع غزة عِوَضًا عن الانتخابات، وقبل هذا وبعده، إدراكها لانتهاء حقبةِ “الإخوان المسلمين” وفشل تجاربهم في الحكم. ولعلّ خلاصة المشهد في المنطقة العربية، وفي تونس حيث نتائج الانتخابات الرئاسية مؤخرًا تؤكد على هزيمة “الإخوان” مجددًا، وعلى الرفض الشعبي للقوى التقليدية المهيمنة على المجال السياسي. فهل تتطلب هذه التحولات إعادة قراءة المشهد السياسي الفلسطيني من جديد؟