د. عزام شعث يكتب: محاصرون بالسياسة و”كورونا”

مع تصنيف منظمة الصحة العالمية فيروس كورونا “كوفيد 19” وباءً عالميًا “جائحة”، انشغلت دول العالم بفحص إمكاناتها وخبراتها في المجال الوقائي والصحي، واستدارت نحو تعزيز ودعم المنظومة الصحية لديها، واتخاذ أعلى مستوى من الإجراءات الاحترازية – الوقائية لحماية مواطنيها من مخاطر الفيروس المستجد الذي كَبَّدَها خسائر بشرية واقتصادية فادحة وغير مسبوقة.

في فلسطين وضمن الإجراءات الوقائية، أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا بإعلان حالة الطوارئ لمدة شهر (جرى تمديدها لشهر آخر ابتداءً من 5 أبريل 2020) وقد اختبرت المؤسسات الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة إمكاناتها ونشطت بتطبيق أقصى الإجراءات الوقائية كإغلاق المعابر الحدودية، والحد من تجمع المواطنين في الأماكن العامة، وإغلاق المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة والتابعة لوكالة الغوث الدولية، وإغلاق المساجد، وإغلاق المقاهي والمطاعم، ووقف العمل بكافة العيادات الخارجية بالمستشفيات، وغيرها من الإجراءات التي يتطلبها الظرف الاستثنائي الراهن.

ويُسجل للمؤسسات الصحية في الضفة الغربية وقطاع غزة سرعة استجابتها في اتخاذ الإجراءات العاجلة للحدّ من انتشار فيروس كورونا، بما في ذلك شروعها في عمليات الاختبار والفحوصات للمواطنين العائدين إلى أراضي السلطة الفلسطينية، والعمال والمرضى الوافدين من المناطق المحتلة عام 48، وتخصيصها لعشرات مراكز الحجر الصحي وإنشاء المشافي والمراكز الصحية المتخصصة، وذلك كله رغم ضعف الإمكانات الصحية في الضفة الغربية وقطاع غزة على حدٍ سواء، وعدم كفايتها؛ بل وافتقارها لأدنى مقومات مواجهة الأمراض والأوبئة. كان ذلك ملاحظًا في شكاوى المواطنين الذين خضعوا لإجراءات الحجر الصحي الإجباري في الضفة والقطاع في الأيام الأولى.

الواقع أنَّ إجراءات الحجر الاحترازي ومستوى الخدمة الصحية في قطاع غزة كانت متواضعة مقارنةً بمستوى الخدمات التي يوفرها القطاع الصحي في الضفة الغربية، ويمكن لنا وفي إطار هذه المقارنة أنْ نتفهم محدودية الخدمات التي تتوفر لسكان القطاع من زاوية الأوضاع العامة المتردية على كل صعيد، صحيًا وإنسانيًا ومعيشيًا، بفعل إجراءات الحصار الإسرائيلي المشدّد منذ منتصف عام 2007، وبفعل سياسات السلطة الفلسطينية وعقوباتها ضد سكان القطاع للعام الثالث على التوالي.

فمن ناحية تسببت السياسات الإسرائيلية في إضعاف القطاع الصحي، ورفع معدلات البطالة وانتشار الفقر، وتهديد الأمن الغذائي لأكثر من نصف سكان القطاع، فضلًا عن تدمير القطاعات الصناعية والإنتاجية، بما يتعارض مع القانون الإنساني الدولي، ومن ناحية أخرى، فإنَّ إجراءات السلطة الفلسطينية ضد قطاع غزة بعد عام 2007، أضعفت القطاع الصحي وهي التي لم تدعمه بالقدر الكافي أو تخصص له الموازنات المستقلة للإنفاق على الخدمة الصحية وتحسينها، فضلًا عن أنَّ عقوباتها ضد موظفي القطاع الحكومي في شهر أبريل 2017، وما بعده، والتي طالت قطع رواتب المئات منهم على خلفيات سياسية، والخصومات على رواتب عموم الموظفين، وتطبيق نظام التقاعد الإجباري، وكلها إجراءات تتعارض مع القانون الأساسي المعدل للسلطة الفلسطينية للعام 2003، ولقانوني الخدمة المدنية وقانون الخدمة في قوى الأمن الوطني لعام 2005، وتعديلاتهما، قد راكمت على أزمات القطاع، وأضعفت إمكانية التصدي لها ومكافحتها.

وفي كل الأحوال، لم تشفع جائحة كورونا للفلسطينيين بالنجاة من السلوك التمييزي للاحتلال الإسرائيلي وإجراءاته اليومية ضدهم، وهو الذي يشدّد حصاره على قطاع غزة، ويعزّز سياسة الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية ويعتقل شبابها والمتطوعين في مدينة القدس، ويهدّد الأسرى الفلسطينيين في السجون والمعتقلات بخطر الموت، والأكثر سوءًا عندما تقايض دولة الاحتلال المواقف السياسية بمطالب إنسانية، مثلما يشترط وزير الجيش الإسرائيلي نفتالي بينيت “إعادة الجنود الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية منذ عدوان عام 2014، مقابل إمداد قطاع غزة بالمساعدات الطبية اللازمة لمكافحة فيروس كورونا”.