د. عزام شعث يكتب: مفارقات السياسة الفلسطينية

 

 مفارقتان حكمتا سلوك المستويّين الرسمي والحزبي في فلسطين، تجاه قضايا الشأن السياسي الفلسطيني وتشابكاته الإقليمية، في الشهرين الأخيرين. المفارقة الأولى، تتعلق بالانتخابات العامة: الموقف منها، والجدل الدائر حولها، وظروفها، ومآلاتها بوصفها استحقاقًا وطنيًا. والمفارقة الثانية، تتمثل بإعلان السلطة الفلسطينية عن فك الارتباط بإسرائيل في ظل الظروف الضاغطة والأوضاع الاستثنائية التي تمر بها السلطة لجهة انسداد الأفق وتعثر مسار التسوية السياسية، وما يترتب عليه من محدودية الخيارات واضطرابها، ومن حيرة الطبقة السياسية في آن؛ وهي مفارقات تكمن دائمًا في التباينات، واختلاف الرؤى بين المستويّين الرسمي والحزبي، وناتجة عن تغليب المصالح الحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية العليا.

-1-

فبينما يترقب الفلسطينيون الإعلان عن موعد الانتخابات العامة بموجب مرسوم يصدره رئيس السلطة الفلسطينية؛ لم يزل المستوى السياسي في حيرةٍ من أمره، وهي حيرة مركبة على أيّ حال. فاللجنتان المشكّلتان من “تنفيذية المنظمة” و”مركزية فتح” لبحث إجراءات تنفيذ الانتخابات، والتشاور مع فصائل العمل الوطني حول آلياتها، لم يُعلن عن أسماء أعضائها، ولم يباشروا المهام التي أوكلت إليهم بعد، فضلًا عن ذلك؛ فإنّ لجنة الانتخابات المركزية التي يُفترض أنَّها مستقلة وذات طابع مهني وفني؛ ستتولى مهمة التشاور مع قوى العمل الوطني والإسلامي في غزّة مطلع الأسبوع القادم، وفي هذا تعارض وخروج عن المهام الموكلة إليها.. فأيّ وظيفة لهذه اللجنة سوى الوظيفة الفنية والإجرائية المتعارف عليها؟.. وكيف لهيئةٍ محايدة ومستقلة أنْ تكون طرفًا في قضية سياسية؟!

المؤكد أنَّ ممثلي التنظيمات الفلسطينية سيستمعون إلى رئيس وأعضاء لجنة الانتخابات، وهم يعلموا بيقين أن لا إجابات وافية وقاطعة بحوزتهم، ويدركون تمام الإدراك- أيضًا- أنَّ رئيس السلطة الفلسطينية أراد من وراء تشكيل هذه اللجان الالتفاف على رؤية الفصائل الثمانية، وتوجيه ضربة استباقية لها، وكأنَّه يُعلن في الوقت نفسه، رفضه لمطالبة قوى العمل الوطني بعقد لقاء موسع للأمناء العامين يسبق الانتخابات ويُمهّد لها؛ الأمر الذي يعني أنَّ الانتخابات ستُجرى دون حوارات وطنية- تمثيلية، وفي غياب المصالحة، وقبل أنْ تتحقق الوحدة. ومن غير المستبعد أنْ تتسبب هذه السياسات والإجراءات المتعارضة، إضافةً إلى نية تأجيل الانتخابات الرئاسية في نسف جهود إتمام الانتخابات وإعاقتها.

                                                  -2-

وأخيرًا، استلمت السلطة الفلسطينية (416) مليون دولار من أموال المقاصّة المحتجزة في “إسرائيل”، وتراجعت عن قرارٍ ردّده الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرارًا: “نرفض استلام الأموال إذا كانت ناقصة مليمًا واحدًا”. وفق هذا المشهد وغيره، تُراكم الحكومة الفلسطينية خطوات وقرارات غير مدروسة؛ تُقدم عليها كردة فعل مؤقتة دون سياسات وخطط استراتيجية؛ وإلا بماذا يمكن تفسير إعلانها فك الارتباط بإسرائيل، وهي تدرك صعوبة تطبيق الانفكاك في ضوء تعقيدات المشهد السياسي، وفي أجواء التبعية في المجالات كافة، حتّى وإنْ توجهت إلى مصر والأردن والعراق.. انفتحت تجاريًا على مصر، ووقّعت معها اتفاقيات اقتصادية؛ ووقّعت ثلاث مذكرات تفاهم مع الأردن في مجالات الطاقة والصحة والنقل؛ وأبرمت تفاهمات في مجال التعاون الاقتصادي مع العراق.

برأينا، إنَّ جهود السلطة الفلسطينية على طريق الانفكاك عن “إسرائيل”، ينبغي أنْ تسبقها استعدادات داخلية وتهيئة للظروف والمناخات والبُنى الفلسطينية أولًا، في إطار التوافق الوطني، وتنفيذًا لقرارات المجلسين الوطني والمركزي: تعليق الاعتراف بإسرائيل؛ ووقف التنسيق الأمني بجميع أشكاله؛ والانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرّسها اتفاق باريس الاقتصادي. فمن غير المعقول أنْ تُوقف السلطة تحويلات أصحاب الأمراض الخطيرة إلى المشافي الإسرائيلية داخل الأرض المحتلة مثلًا في الوقت الذي تعاني فيه من أزمات ممتدة في القطاع الصحي على مستويي البُنى والإمكانات، ولا تتوافر في مشافيها إمكانية علاج المرضى، ولا يجوز أنْ تغفل عن حاجة المرضى والتفاقم المستمر في أوضاعهم الصحية، ولا تقوم بتوفير البدائل العاجلة لهم، وهذا مثال واحد حي من مشهدٍ فلسطيني أكثر تعقيدًا فيما يتصل بتجميد العلاقات، والانفكاك من علاقة التبعية لإسرائيل.