د. عزام شعث يكتب: من قضايا الجدل الداخلي في فلسطين

تزدحم الساحة الفلسطينية بقضايا مثيرة للجدل تتطور في كثير من الأوقات إلى مستويات النزاع الداخلي بين أطراف سياسية ومجتمعية، إنْ في الضفة الغربية أو في قطاع غزة؛ فالانتخابات العامة المتعثرة، والدعوة إلى تشكيل “قائمة موحدة” لخوضها تجمع بين حركتي “فتح” و”حماس”؛ تقترحها حركة فتح راهنًا، وربما تُصرّ عليها في قادم الأيام فتُقنع حركة حماس بها؛ والمشفى الأمريكي الذي يُقام في قطاع غزة؛ والمستقبل السياسي للقطاع في ضوء الوساطات والتدخلات الإقليمية والدولية لتثبيت التهدئة؛ والحديث المستمر عن الهدنة الدائمة مع “إسرائيل”، في غياب أيّ دور للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة؛ وأوبريت “ملاك السّلام” الذي أنتجه الإعلام الرسمي للسلطة في وصف الرئيس الفلسطيني، والتَّودُّد إليه والتقرب منه؛ كلها عناوين لقضايا الجدل الداخلي التي يتنازعها الفلسطينيون في أوقاتهم البائسة والمتردية بفعل الانقسام السياسي والجغرافي، وتباين الأولويات والرؤى بين طرفيه وتعارضها.

ففي الوقت الذي يترقب الفلسطينيون تهيئة الظروف والمناخات لإجراء الانتخابات العامة أملًا في طيّ صفحة الانقسام، المُمتد لأكثر من اثنتي عشرة سنة ثقيلة، ما تزال الخُطى نحو الانتخابات بطيئة وثقيلة؛ بل ومتعثرة رغم كل التطمينات بقرب صدور المرسوم الرئاسي الذي يُحدّد موعد إجراء الانتخابات العامة في فلسطين وآلياتها، ورغم البُشريات التي يزفّها رئيس وأعضاء لجنة الانتخابات المركزية في جولاتهم المكوكية بين غزة والضفة الغربية. ولا شكَّ أنَّ المراقبين يدركون حقيقة هذا التعثر وعلى كل صعيد؛ وهم يُمعنون النظر في ملامح المشهد السياسي الفلسطيني وتعقيداته؛ فالانتخابات الفلسطينية خصوصًا تتطلب توافقًا جماعيًا على برامجٍ وسياسات وطنية، وتحتاج إلى إجابات شافية عن أسئلة المستقبل، بما فيها مصير النظام السياسي في اليوم التالي للانتخابات؛ تجنبًا للمخاوف والمحاذير التي أفشلت المصالحة والانتخابات مرات عديدة.

ولا نضيف جديدًا حين نقول إنَّ الوصول إلى تشكيل “قائمة موحدة” تجمع “فتح” و”حماس”، يُعدّ وصفة للمحاصصة بين الحركتين، ومدخلًا للاستحواذ على السلطة وتقسيمها بينهما كلٌ في منطقة نفوذه، ولاستمرار الانقسام وإعادة إنتاجه من جديد؛ الأمر الذي يخالف مبدأ التعددية السياسية والتنافس بين القوى السياسية والشخصيات المستقلة في انتخابات حرة ونزيهة. وعلى الأرجح سيُفسر هذا التحالف، إنْ تم، من زاوية تخلي حركة فتح عن فصائل منظمة التحرير ومواجهتها، مما يفقد الطرفين ميزة العلاقات التاريخية والمصير المشترك، خصوصًا بعد أنْ افترق الطرفان لسنواتٍ بفعل الضغوط السياسية والتهميش المُتعمد الذي يمارسه رئيس السلطة الفلسطينية على فصائل المنظمة، وقد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى الإجهاز على المنظمة كمؤسسة جامعة تُمثل الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، ومن ناحيةٍ ثانية، قد يكون من نتائج اللجوء إلى “القائمة الموحدة” إعاقة الانتخابات أو تأجيلها، ريثما تنضج ظروف الشراكة بين الحركتين بالمفهومين الحزبي والشعبي.

وفق هذه المعاني، يمكن القول إنَّ قضايا الجدل الداخلي في فلسطين مستمرة ومتعدّدة، ولا تتوقف عند المسألة الانتخابية ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني وحسب؛ لكن عناوينها امتدت إلى المستويين الإنساني والسياسي منذ أنْ احتدم النقاش بين طرفي الانقسام، وغيرهما من القوى المجتمعية والحقوقية حول المشفى الأمريكي في شمال قطاع غزة- دوره، طبيعته والهدف من إقامته- ولقد تعددت الآراء بشأن جدوى تأسيسه أصلًا، ففي الوقت الذي أكدت فيه “حماس” أنَّ المشفى الأمريكي يتأسس للتخفيف من معاناة مرضى قطاع غزة، وأنه لا يتجاوز أهدافه الإنسانية، ويستند إلى صيغة تفاهمات التهدئة بين الفصائل الفلسطينية و”إسرائيل”؛ للتخفيف من الحصار المشدّد على القطاع؛ أنكرت الفصائل الفلسطينية أنْ تكون طرفًا في أي اتفاق يُشرعِن إقامة المشفى على الأرض الفلسطينية؛ بل إنَّ بعضها طالبت بتوضيح وتفسير لأسباب إنشاء المشفى الأمريكي، فيما وجدت فيه السلطة الفلسطينية و”فتح” المدخل المباشر، والوصفة الأكيدة لتعميق الانقسام وفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وأنّه أحد بنود “صفقة القرن” التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى تطبيقها انطلاقًا من القطاع، خصوصًا وأنها أوقفت مخصصات مشافي الضفة الغربية، بما فيها مشافي مدينة القدس المحتلة في العامين الأخيرين.

ويمتد الجدل بين الفلسطينيين أخيرًا، حول أوبريت “ملاك السّلام” الذي أنتجه تلفزيون فلسطين في وصف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والتَّودُّد إليه. قطاع عريض من السياسيين، الأكاديميين، الحقوقيين، وغيرهم، سجلوا اعتراضهم على إنتاج الأوبريت ونشره، ووقعوا على عريضة تطالب بوقف تداوله، وقلما نجد مَنْ يتبرع للدفاع عن الأوبريت حتّى من بين مؤيدي رئيس السلطة. كان مبعث الرفض يتأسس على مقولتين: “أن السلطة الفلسطينية التي تعاني من أزمة مالية ممتدة تجعلها غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها؛ تبحث عن طرق لإهدار المال العام لمصلحة شخصية – وأنّ الموصوف بـ “ملاك السّلام” لم يُحرز تقدمًا يذكر لا في التسوية والسّلام، ولا في تبني أيٍ من الخيارات الأخرى لتلبية حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال الوطني وتقرير مصيره”.