د. عزام شعث يكتب: هل استعدَّت «فتح» للانتخابات؟.. وكيف ستخوضها؟

 

ما زالت صناديق الاقتراع مغلقة في وجه الفلسطينيين منذ ما يزيد على ثلاثة عشر سنة؛ تعطلت فيها الانتخابات الرئاسية، والتشريعية، وانتكست العلاقات الوطنية، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بفعل الانقسام السياسي وتداعياته؛ طيلة هذه السنوات تداعى الوسطاء ممن يعنيهم أمر الفلسطينيين من دولٍ عربية منغمسة في قضايا الشأن الفلسطيني، وقوى محلية؛ لحث الفرقاء على استعادة الوحدة واستئناف الانتخابات؛ تأسيسًا لعملية الانتقال الديمقراطي المتعثرة، غير أنَّ وساطاتهم ومبادراتهم- على كثرتها- لم تجد مَنْ يستجيب لها. لقد غابت الإرادة السياسية عند طرفي الانقسام، وظلّت تدخلات واشتراطات الأطراف المعنية باستمرار الانقسام الفلسطيني قيدًا على إنهائه؛ بل غذّته ومدته بأسباب الحياة، دون أنْ تُراعي مصلحة الفلسطينيين، ولا حاجتهم المُلحة للوحدة ولطيّ صفحة الانقسام السوداء مرةً وإلى الأبد.

المتداول في هذه الأيام، أنَّ الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيصدر مرسومًا يُقرّر فيه موعدًا للانتخابات العامة، هذا ما أعلنه في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الرابعة والسبعين، وأعقبته “مركزية فتح” و”تنفيذية منظمة التحرير” بتشكيل لجنتين؛ لبحث إجراءات تنفيذ الانتخابات العامة، والتشاور مع فصائل العمل الوطني حولها. ربما تصدق النوايا هذه المرة، وتتفق الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية على آلية لإجراء الانتخابات من حيث طبيعتها، ومكانها، وتوقيتها، وتُفتح صناديق الاقتراع من جديد؛ لكن المرسوم الرئاسي – إنْ صدر- سيطرح سؤالًا مُلحًا حول مدى استعداد حركة فتح للانتخابات، وكيف ستخوضها؟

إنَّ الرواية التي ينقلها أحد الأصدقاء، وهو من الفتحاويين الأقحاح، تُجيب عن هذا السؤال؛ فيقول:

“إنَّ أبا مازن سيُعلن عن موعد الانتخابات وكلتا يديه في ماءٍ باردة.. كيف سُتشارك حركة فتح في الانتخابات وهي منقسمة على نفسها؟ ما الذي قدّمته، وما هو برنامجها؟ كيف يفكر قادة الحركة في خوض الانتخابات وهم غائبون؟.. لم يتلمسوا همومنا نحن الفتحاويون، ولم يخففوا آلامنا، ولم يُطبّبوا جراحنا على مدار أكثر من عشر سنوات مضت.. كيف لي أنْ أقنع نفسي، أولادي وزوجتي بانتخاب قائمة حركة فتح، و”فتح” هي التي قطعت راتبي، وأوقفت مخصصاتي، وحرمت أولادي من حقوقهم التي يكفلها القانون؟.. أوضاعنا صعبة، وأزماتنا ممتدة، وخسارتنا ستكون كبيرة ما لم نعيد الهيبة لـ”فتح”، والكرامة لأبنائها قبل الانتخابات، وقبل فوات الأوان أيضًا”.

لا نغفل هذه المخاوف والمحاذير التي تسيطر على تفكير الفتحاويين بعد سنوات القطيعة والجفاء الممتدة، وذلك انطلاقًا من حقيقة أنَّ العملية الانتخابية لا تستقيم إنْ لم تتهيأ لها الأحزاب السياسية؛ فتُعظّم من مكاسبها المجتمعية، وتختبر علاقاتها الوطنية وتُصلحها، وتتبنى برنامجًا يحقق أهدافها الوطنية، وتبني هياكلها التنظيمية بما ينسجم مع تطلعاتها، أهدافها وامتدادها الجماهيري.

إنَّ حركة فتح وهي تتطلع إلى المشاركة في الانتخابات المرتقبة، وتحقيق الفوز فيها، ينبغي عليها أولًا أنْ تحقق الوحدة الداخلية وتجمع شتات الفتحاويين، وتعيد الاعتبار لبنيانها التنظيمي وترمّمه على أساس عقلاني ورشيد، عبر تسوية الخلافات الداخلية، وتحقيق المصالحة بين قطبي الحركة: الرئيس محمود عباس، والنائب محمد دحلان، الذي يمتلك تياره- تيار الإصلاح الديمقراطي القاعدة الشعبية العريضة والقاعدة الفتحاوية الصلبة، وصولًا إلى التوافق على تشكيل قائمة انتخابية واحدة موحدة تمثل الفتحاويين جميعهم، ومن المفيد هنا استحضار تجربة انتخابات المجالس المحلية “المؤجلة” في سنة 2016، التي شهدت توافقًا في مراحل التحضير للانتخابات، وعلى تسمية المرشحين في قوائم الحركة، وعلى تشكيل اللجان المُشرفة على الانتخابات.

لقد أضحت مسألةُ الوحدة مطلبًا فتحاويًا ملحًا، ونقيضها هو استمرار حالة التشظي وجلب الهزيمة لحركة فتح في أول انتخاباتٍ قادمة، فلا يجوز أنْ يُطلق العنان للمكابرة التي لم تعد مقبولة في ظل الظروف الاستثنائية والضاغطة التي تمر بها “فتح”.

وحركة فتح مطالبة – أيضًا- بإصلاح ما أفسدته حكوماتها في مرحلة ما بعد الانقسام.. عليها أنْ تتحمل مسئولياتها تجاه قطاع غزة؛ وأنْ تُنصف موظفي القطاع الحكومي في الضفة وغزة، وتنهي معاناتهم، وتوقف الخصم على رواتبهم؛ وأنْ تتراجع عن سياسة الفصل التعسفي، وتعيد رواتب الموظفين المقطوعة على خلفيات سياسية وبسبب تقارير كيدية؛ وأنْ تعيد مخصصات الأسرى والمحررين ومخصصات أسر الشهداء؛ وأنْ توقف قانون التقاعد المبكر والتقاعد المالي لموظفي القطاع العام؛ وأنْ توفر للسكان الخدمات الصحية، والتعليمية، وخدمات الطاقة، وأنْ تُحسّن أوضاعهم المعيشية بعد سنوات الحصار والانقسام.

بهذه الشروط، وهي وصفة العقل والمنطق، تكون حركة فتح مستعدة للانتخابات وقادرة على خوضها والفوز فيها أيضًا، ومن دونها ستظل الحركة تراوح مكانها بين الهزيمة، والانقسام، وترهل هيكلها التنظيمي، وتراجع شعبيتها.