د. عزام شعث يكتب: وماذا بعد الرفض الفلسطيني لـ «صفقة القرن» ؟

في الرد على إعلان «صفقة القرن» الاتفاق الأمريكي الإسرائيلي المنفرد لتصفية القضية الفلسطينية، سجّلت الرسمية الفلسطينية موقفًا مبدئيًا برفض «الصفقة» لأنّها تمثل خُلاصة الاعتداء على الحقوق الوطنية الفلسطينية وانتهاكها لصالح المشروع التوسعي ومشروع الضم والهيمنة الإسرائيلية، ولأنّها تُبدد فرص التسوية السياسية وتُجهز على تطلعات الفلسطينيين في الحرية والاستقلال وإقامة الدولة على حدود الرابع من حزيران عام 1967.

ضمن الإجراءات العملية بعد الإعلان عن «صفقة القرن» ونشر تفاصيلها، أَوْدع الفلسطينيون موضوع الصفقة برمته في حَوزة المنظمات الإقليمية والدولية، وعبّروا عن موقفهم منها من فوق منابرها، بعد أنْ نشطت الدبلوماسية الفلسطينية وأتمت إجراءات ترتيب اللقاءات والاجتماعات العاجلة وعلى مختلف المستويات للتنديد بالصفقة وتبني المواقف والرؤى لمواجهتها، ومن المعلوم أنَّ لجوء السلطة ومن قبلها منظمة التحرير إلى الدول العربية ممثلةً في جامعة الدول العربية وغيرها من المنظمات الإقليمية العربية والإسلامية يستهدف أساسًا صوغ المواقف والتوافق على قضايا الإجماع، وبناء التحالفات بما تمثله هذه الدول من ظهير وسند للفلسطينيين منذ نشوء قضية الصراع العربي- الإسرائيلي، فيما يستهدف خيار لجوء المنظمة والسلطة إلى الأمم المتحدة وأجهزتها الرئيسية ووكالاتها المتخصّصة حشد التأييد الدولي للقضية الفلسطينية وتدويلها، وحيازة القرارات الأمميّة كأحد أدوات إدارة الصراع مع “إسرائيل”.

كان الموقف الفلسطيني العام بما تُمثله القوى والتنظيميات السياسية والمنظمات المجتمعية الأهلية وهيئات المجتمع المدني قويًا ومُوحدًا في رفض «الصفقة» منذ الساعات الأولى للإعلان عنها، مثلما عبرت عنه في الوقفات الشعبية في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأرض المحتلة عام 48، وفي المواجهات الجماهيرية المباشرة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدن وقرى الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس المحتلة. ولا نُضيف جديدًا إنْ قلنا إنَّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، قد تسلح بهذه المواقف في أثناء خطابه أمام وزراء خارجية الدول العربية في القاهرة – وقد كان خطابًا قويًا دون شك – وفي الدعوة إلى عقد اجتماعات منظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأفريقي، والاتحاد البرلماني العربي، وقد استجابت هذه المنظمات جميعها لنداء فلسطين عبر تأكيدها على رفض «صفقة القرن» ودعم الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

ورغم حالة الإسناد الشعبي والمواقف التي تبنتها القوى السياسية والمجتمعية، ظلّت الجهود الرسمية الفلسطينية دون المستوى، واكتفى الفلسطينيون بردّة الفعل الآنيّة والموسمية على المخطط الأمريكي – الإسرائيلي.. هذا هو حال الفلسطينيين، وهذا هو مستوى ردهم المعروف والتقليدي على القضايا الكبرى والمصيرية، فلا ينشغلوا كثيرًا في أمر الوحدة الوطنية واستعادتها تحت أيٍّ من الظروف، ولا حتى في تطوير الأدوات الكفاحية التي يمتلكونها عبر الاتفاق على خارطة طريق لمواجهة «صفقة القرن»، ويكفي أن نعيد إلى الذاكرة اندفاع طرفي الانقسام واتفاقهم على إنجاز المصالحة ردًا على الصفقة وتحديًا لمطلقيها. لقد قالوا: “إنَّ وفد منظمة التحرير سيصل إلى قطاع غزة للقاء الفصائل، والتمهيد لزيارة قريبة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى غزة من أجل إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الفلسطينية”، فلم تزل هذه الزيارة مؤجلة، ولم يحن وقت المصالحة بعد!

لدرجة أن هذا الموقف الضعيف فلسطينيًا انعكس على خطاب الرئيس الفلسطيني أمام مجلس الأمن الدولي – دون أن نغفل حقيقة الضغوط الشديدة التي تعرض لها – فلا مفاجآت في خطابه الذي تعودنا على مفرداته المكررة طوال خمس عشرة سنة منذ توليه رئاسة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، ولا جديد يستدعي التوقف أمامه رغم ما بشرنا به الرسميون من أنَّ الرئيس يعتزم إلقاء “خطاب تاريخي مهم” في مجلس الأمن، و”يفجر القنبلة السياسية التي في حوزته” ردًا على خطة ترامب – نتنياهو المعروفة بـ «صفقة القرن». إنَّ أكثر ما يمكن أنْ يقال بعد خطاب الرئيس أنَّه ثابت على موقفه المكرر الرافض للصفقة، والذي عبرت عنه وتبنته الهيئات والمؤسسات الفلسطينية والعربية كافة، دون إجراءات عملية يتطلبها الظرف الفلسطيني الراهن، بدلًا من الادعاء – كما جاء في الخطاب – بشفافية النظام السياسي الفلسطيني وخلوه من الفساد، ومكافحته الدائمة والمستمرة لـ “الإرهاب”، دون التمييز بين الإرهاب والمقاومة التي يكفلها القانون الدولي ويجيز للدول الواقعة تحت الاحتلال استخدامها واللجوء إليها وفي كل الأوقات.